مالي شغل بالناس ؟!

كالعادة، كتبتُ لمدّة نصف ساعة ثم مسحت كلّ ما كتبت. أنا تعوّدت على نفسي.. بقي أن تعتادوا أنتم.

كنتُ جالسة أرتّب أفكاري، وأنا أحدّق في لوحة المفاتيح، حين لاحظتُ شيئاً يتحرّك تحت الأزرار. في البداية، توقّعتُ أنه دودة الرطوبة، وهي حشرة بغيضة صغيرة فضّية اللون، تتواجد في الأوقات التي تعلو فيها الرطوبة داخل البيت، وقرب مصادر الماء، كالمطبخ والحمّام، وفي حالتي هذه: القبو. لأنّ مكتبي في الغرفة التي تجاور غرفة الغسيل. لكن لدهشتي لم تكن، بل كان عنكبوتاً محترم الحجم، من عناكب البيت السوداء التي تلجأ لداخل البيت لتحتمي من البرد. وليس لديّ ثأر شخصيّ مع العناكب، وفي العادة، لا أقتلها، على الأقل تلك التي تنام في القبو، أكتفي بكنس بيوتها وحين تفرّ لا أتعب نفسي بمطاردتها لأنها فعلا غير مؤذية.
لكنها عناكب رمادية، وهذا كان أسود اللون، وقد خرج ومشى سريعا ونزل من على اللابتوب واختفى!
أين يمكن أن يختفي عنكبوت أسود بهذه السرعة؟ يبدو أنه عنكبوت عفاريتي!
أغلقت اللابتوب ونفضته وقلبته وقلبتُ الأشياء القليلة جدا على الطاولة، نظرتُ لها من أسفل وأبعدتها عن الجدار، فحصت الجدار نفسه وكل شيء حتى ملابسي.. لا شيء. تبخّر. تعاوذت من إبليس، وقلتُ لو أنّه شيطان فهو تافه جدّاً إذ يعتقد أنّ تلبّسه زيّ عنكبوتٍ سيجعلني أصرخ وأولول وأمتنع عن الكتابة في هذه الساعة المبكّرة من الصباح.
أحضرتُ المكنسة الكهربائيّة من الغرفة المجاورة، وشفطتُ كلّ الزوايا في الحاسوب والطاولة، وتابعت الكتابة وأنا أذكر كلمة أمّي عن جدّي رحمه الله، حين ظهرت لهم دودة في أوراق الخسّ ذات مرّة: بنتي إنت رح تاكليها ولا هي رح تاكلك؟
وأنا أستخدم هذه القاعدة من زمن بعيد، ولا ينفي هذا شعور القرف، لكنّه ينفي الذعر الحيوانيّ الذي لا معنى له عند ظهور الحشرات فجأة في أماكن غير متوقعة.
ولا ينفي هذا أيضا شعور -في شي عبيمشي عليّ- الذي ينتابني الآن ويجعلني أحكّ! لكن ما علينا.


قبل بضعة أيام حدث شيء سخيف، لكنّه -لسخافته ربّما- أزعجني حقّاً. ولن أكتب عن هذا الأمر بطريقة التعمية، لأنّ الكلام لم يُفهم إن فعلت.
كنتُ أتصفّح حساباً على الانستغرام لصديقة سابقة، تعيش وحدها في بلد أجنبيّ، لأفاجأ بأنّي أرى مقاطع قصّتها (ستوري). المشكلة ليستْ في ما رأيت، بل في أني رأيت أصلا، لأنّي أملك حسابين في الانستا، وحين رجعتُ لحسابي الشخصيّ، وجدتُ أني أرى الحساب، ولكني لا أرى القصة. وهنا عرفتُ أنّ هذه القريبة قد حظرتْني من رؤية القصة بحسابي الشخصي من أشهر طويلة، ولم أنتبه إلا الآن. قلتُ في نفسي: عادي، أنا ألغيتُها من متابعتي أيضا على حسابي الخاص من زمن طويل. أما لماذا أتفقّد حسابها من حين لآخر؟ فلأنّها لم تعد تذكر شيئاً عن أخبار أبنائها على حسابها الشخصيّ الآخر، وكأنّهم لم يكونوا.
بعد يوم بالضبط، طلبتُ من صديقة أن تفتح الحساب من عندها وتخبرني إن كانت ترى القصّة، فقالت: نعم.. يوجد، وأدارتْ الهاتف لأرى، فقلتُ: لا أريد أن أرى، فقط أردتُ أن أعرف شيئاً.
وشرحتُ لها أنّ قريبتي حظرتْ عليّ رؤية القصة من حسابي الثاني أيضاً، وما أزعجني حقيقة هو:


أوّلا: لماذا لا تحظرني من الحساب تماماً وليس فقط من رؤية القصّة؟ وخصوصا أنّ حسابها مفتوح ومليء بصورها؟. وأنا أقول لها: لا فارق بين الصور التي تملأ صفحتك، وبين المقاطع التي قد تضيفينها. مع العلم أنّي حين كنتُ أتابعها سابقاً، لم أوجّه لها كلمة نقد واحدة، كلّ ما فعلتُه أني ألغيتُ المتابعة حين وجدتُ أثر ذلك سلبياً عليّ. أليس تصرّفها يعني ببساطة ما تردّده هي: اللي فيه شوكة بتنخزه؟
ثانيا: فوجئتُ أنّها تتابعني إلى الحدّ الذي تعرف فيه حسابي الثاني المهتم بالأعمال اليدوية، لأنّي بمجرّد أن فتحتُ القصّة قامت بحظري، بمعنى أنّها رأتْ اسم الحساب. وهذا غريب حقّاً بالنسبة لإنسانة -كما تقول- مطحونة في العمل والشغل وحياتها جدّا متعبة، وبحسب الجمل التي تملأ حسابها: ليس لديها الوقت لمراقبة الناس لأنها مشغولة بنجاحاتها.
ثالثا: وهي تابعة لما سبق: لم أر في حياتي مشغولا ومطحونا لديه الوقت ليراقب من يرى الستوري الخاص به، خصوصا لو كان متابعوه فوق المئتين! فمن أين لها هذا الوقت إن لم يكن هوَساً؟. وهو يناقض ما تملأ به حسابها من عبارات: (من راقب الناس مات همّاً، وكل واحد يلتهى بحاله أحسنله، وأنا لا أهتم لرأي الآخرين بي، والناجح ليس لديه الوقت لسماع حكي الناس أو الاهتمام برأيهم) وكلام كثير من هذا النوع بلا مبالغة. هل بالفعل هي لا تفهم أنّ هذا انفصامٌ في الشخصية؟!
عزيزتي، أنتِ تضعين صوركِ في حساب مفتوح لتحصدي لايكات وتعليقات إعجاب وتحظرين من يمكن أن ينتقص منكِ ولو في خاطره لمجرّد أنّكِ تعرفين تفكيره مسبقاً، فكيف لا تهتمّين برأي الآخرين، أم هو -على رأي إخوتنا المصريين- أيّ هبد وخلاص؟!
رابعاً: كلّ إنسان نشأ نشأةً سويّة، ثم انحرف لسببٍ ما، فإنّ أوّل ما يفعله هو الابتعاد عن أصدقاء النشأة السويّة.
ذات مرّة ناقشتني إحداهنّ نقاشاً طويلا عن إقصائنا نحن المحجّبات لغير المحجّبات، قلتُ لها: أين الإقصاء؟ عندي صديقات غير محجّبات وأحبّهنّ ويحببني، ونتزاور أيضاً. لماذا لا تتكلّمين عن هجوم غير المحجّبة على المحجّبة؟، ردّتْ بانفعال: لأنّه غير موجود! قلتُ: بلى.. أنتِ تجلسين معنا طيلة الوقت تتكلّمين كيف نحن لا نعمل بسبب حجابنا، ولو أنّنا لا نلبس العباءة أو الجلباب مثلا، لوجدنا فرص عمل أفضل وهذا غير صحيح، لأنّ الحجاب حجاب أيا كان شكله، ولو كان مجرّد طاقية تخفي به المرأة شعرها، فهو حجاب ويعرفه غير المسلم والعنصريّ. فأنتِ تشعرين بأنّكِ مقصّرة أو على خطأ، فتهاجميننا طيلة الوقت، ووصل بك الأمر أن تقولي أنّنا كسولات ونتّكل على أزواجنا في الإنفاق علينا، رغمّ أنك مسلمة وتعرفين أن هذا الإنفاق واجبه، وتعرفين أننا أمام خيار واحد من اثنين في هذا البلد: إما أن نخرج للعمل ونترك الأبناء لتربية المجتمع، أو نجلس معهم في البيت ونربّيهم. وأنتِ اخترتِ الخيار الأوّل ونحن اخترنا الثاني.
وقفزتْ تدافع عن نفسها وتربيتها فقاطعتُها: لاحظي أنّي لم أنتقص من تربيتك، أنا فقط قلتُ إنها تربية المجتمع، فلماذا تنزعجين؟ أنت اخترت أن تعملي ثمانيَ ساعات يوميا وتتركي أبناءك، ثم تأتي وتشتكين من تصرفاتهم ومن تعبك وتطلبين أن نخرج ونعمل مثلك.. فنردّ عليك بأنك لست مضطرة للعمل كلّ هذا الوقت، فتهجمين علينا وكأنّنا نحبطكِ ولا نعترف بإنجازك كامرأة، مع أنّكِ أمّ، وهذا ينقل الكلام لخانة مختلفة تماماً يُفترض أنّكِ تدركينها.
من السهل جدّا أن تهاجمي الآخرين لتدافعي عن نفسك رغم أنّ أحداً لم يوجّه لكِ أيّ انتقاد.
وهذا ما تفعله من تتخلّى عن حجابها، ولم تخالف واحدة ممن أعرفهن هذه القاعدة: فبمجرّد أن تخلع الحجاب، تقاطع كلّ صديقاتها المحجّبات، وإن حاولن التواصل معها تهاجمهنّ.. لأنها ببساطة تريد التواصل على طريقتها هي: تصفيق وإعجاب فقط، ويا ويله الذي يسأل لماذا أو يوجّه نصيحة أو كلمة.
ومثلها رجال مسلمون، صاروا يملؤون هذا العالم، يدافعون عن التي خلعتْ، ثم يسكتون عن الظلم الذي يطال المحجّبات من حوله.

فرق كبير بين صديقتي غير المحجّبة التي -لو فرَضاً- سألتها لماذا لم تتحجّب، فتقول: ربّما يوماً ما.. وهذه أدعو لها ولا ألحّ عليها، فقط أضع حدوداً لما نفعله معاً، فما ألتزم به أنا بحجابي يختلف عما تفعله هي.
وبين تلك التي ترى حجابي تخلّفاً وعائقاً، وأنّي سجينة عند زوجي كالجارية، وأنّها تحرّرت من هذا القيد وصارتْ ناجحة.

أنا أفهم الفتاة التي لم تجرّب الرجال ولا الزواج، حين تفكّر بهذه الطريقة، ولكنّي أبداً لا أفهم ولا أتفهّم المرأة التي خبرتْ نظرة الرجل، وعرفتْه وعاشرتْه وفهمتْ طريقة تفكيره، وتفعل ذلك، وتطلب منه أن يكون (محترماً) وهي تقول له: تفضّل!.
ذلك أن الحجاب – يا من في رأسكِ عقل- ليس لتغليفكِ كقطعة الحلوى بعيداً عن يد الرجل المذؤوب الذي لا يرى في المرأة إلا جسدها. الحجاب هو لكِ، لتعرفي حدود ما تُظهرين وما تُبدين، وأيّ شيء تريدين أن يقع النظر عليه منكِ.. ولتضبطي تصرّفاتكِ، مع من تخرجين وأين تذهبين وتجلسين وماذا تفعلين وكيف تضحكين وتمشين.. ما الذي (معليش) وما الذي لا يمكن أن يكون. فإن لم يقم حجابكِ بهذا، فلا فائدة له ولو كنتِ بالخمار الأسود من رأسكِ لكعبيكِ، لأنّه نمط حياة كامل وليس مجرّد رداء.

نعم، مثلما تقولين.. بإمكانكِ أن تكوني محترمة ومحتشمة بدون حجاب.. جاراتي غير المسلمات كلّهن كذلك، لا حجابي جعلني أفضل، ولا عدم حجابهنّ جعلهنّ أكثر تحضّراً.. لأنّ العبرة في الفهم.

وأنتِ -مثل غيركِ- تناقضين هذا تماماً، لأنّكِ تنازلتِ عن مكرمة الستر بالتعرّي، وليس الأمر مجرّد ترك فريضة بل تجربة كلّ منكر ومحرّم، ولا يوجد عاقل ينكر أن العريّ ذلّ، وأنّ الستر تكريم. أقول عاقل وليس مسلما فحسب، وإلا لماذا كانوا يعرّون العبيد وهم يبيعونهم؟. اختلفتْ فقط طريقة الرقّ والبيع بين العصور.
وغيركِ لبستْ حجابها فما عرفنا، ونزعته فما سمعنا.. لأنها إنما فعلتْ ذلك لأسبابٍ في حياتها لا علاقة لها بالمظهر ولا الاستعراض.
ولو كان فيكِ ذرّة من عقل، لخشيتِ على نفسكِ أن تصابي بعين حاسدٍ -وأنتِ تؤمنين بهذا كثيرا-، أو يعرض لكِ حادث يشوّه هذا الجسد.. فماذا يبقى لكِ وقد جعلتِه رأس مالك؟!
تظنّين أنّكِ نضجتِ وأثبتِّ نفسكِ لأنّكِ تعلّمتِ وصرتِ موظّفة وتملكين أمر مالك ووقتكِ؟ فلماذا تتعطّشين للإعجابات كمراهقة؟. فراغ عقلكِ لم يُملأ بعد، وخواء روحكِ ظاهر للعيان، وإلا لماذا تركضين وراء معايير تجميلية لستِ بحاجة لها ولا تقدرين على تحمّل عبئها؟ معايير فرضها الرجال، وتجعلين لهم الحكم على مظهرك وحياتك. فأيّة قوّة في هذا؟

إنما إثبات النفس والقوّة، في أن تتحمّلي عبء التربية لمن أنجبتِ، وتحاولي مهما استبد بك التعب واليأس، لا أن تتخلّي عنهم.

استمتعي بحياتكِ التي اخترتِ.. واحظريني بالكلّيّة، (فلا عين تشوف، ولا قلب يحزن).

  • انتهيتُ ولم يظهر العنكبوت ولم أجد له أثراً، يبدو أنّه قد جاء ليطلق أفكاري ويرحل.
  • تعمّدت أن يكون العنوان مطلع أغنية شعبية قديمة، ومن يعرف تكملتها، سيفهم لماذا اخترته.

19.11.2021


قد مات ، فهل أنتم ميّتون ؟

لا بد أن أكتب عن هذا الموضوع، رغم الصداع الذي يدقّ رأسي من ساعات، لا أبد أن أكتب قبل أن يطير الكلام من مخي، أو يذهب وقته، وأعودَ لقراءته بعد فترة طويلة فأجده صار باهتاً بلا طعم، فأحذف التدوينة من سطح المكتب كما حذفتُ كثيرات غيرها لنفس الأسباب.
نعم، بعد عناء الجلوس لأكثر من ساعة بالاحتيال على وقتي والمراهقتين والصغير والزوج الذي ما زال مستمرّاً في عمله من البيت (لا بد لي من تكرار أسطوانة الخَنقة هذه في كل مناسبة سانحة)، أجد ما كتبتُه سخيفاً، ولا يصلح للتعديل ولا للنشر، فأحذفه ببساطة.
زرّ الحذف مميّز جدّاً، وهو بعكس الشائع، متاح في حياتنا الواقعية أيضا، بالتوبة عن العمل السيّء والاستغفار، والاعتذار لمن أسأنا لهم، والتراجع عن رأي يتبين لنا خطؤه. لكنها في الواقع ليست كبسة زر، لذلك يتثاقل عنها الكثيرون، إنها تحتاج قوة وعزيمة ومجهودا وجهادا، لقهر كِبَر النفس، وإرغام أنفها وأنف شيطانها والإقدام على ذلك العمل الذي يبدو بسيطا.

وبرأيي، فإن الـ (وتج)* جعلت هذا الأمر أكثر صعوبة بمراحل: فالمرء متى أخطأ صار خطؤه على الملأ، ومتى قرر التوبة صارت نيّته حديث القوم، فإن استطاع تجاوز كِبَر النفس وتضخم الذات المريع الذي تعززه الوتج، فلن يقدر على اجتياز الناس إلا باعتزالهم، وهذا لا يحدث إلا نادرا.
والناس إن لم ينشغلوا بطاعة الله، انشغلوا بخلقه. ولا يقولنّ قائل إنّ الهموم تشغل أيضاً، لأنّه لا أكثر من هموم الشعب العربيّ: ما بين تشريد وتهجير وحروب وفقر وانطحان و… مع ذلك، تدخل إلى الوتج فتجدهم متفرّغين لنوايا بعضهم البعض، ومشغولين بتوزيع صكوك الرحمات واللعنات، فيلتبس عليك الأمر: هل أنتَ في أرض العرب الافتراضيّة، أم دلفتَ -بالخطأ- معبد آلهة الأوليمب؟!

وقد هجرتُ الفيسبوك هجراناً جميلا، فلا أغلقتُ حسابي ولا أتفاعل معه إلا بأقلّ من الندرة، ولا أتصفّحه تقريباً مطلقاً إلا لأتابع كتبات أسماء بعينها، وقد وجدتُ هذه الطريقة مجدية جدّاً وفاعلة في راحة البال ورقيّ وتهذيب النفس، وليس معنى كلامي هذا أن من في الفيسبوك قليلو التهذيب! إنّما كلّ إنسان يتأثر بشكل مختلف، وإنما أتحدث عن نفسي.
فلما فتحتُه أتصفحّه، وجدتُ الخلق وقد ارتدوا الجبّة والعمامة، وقعدوا على كرسيّ المشيَخة، وبدؤوا يتحدّثون في (صباح فخري) وقد مات: ما حكم من ترحّم عليه؟ وما حكم من دعا عليه؟
فعجبتُ لما رأيتُ، وسألتُ نفسي: ألا يستخدم هؤلاء عقولهم أبداً؟ لماذا هنالك مشكلة أصلا في الترحّم أو الدعاء عليه؟! ألا يعني هذا أن (عمله) كان موضع اختلاف هل هو صالح أم مفسِد؟ فما معيار هذا الصلاح والفساد برأيكم؟!

وعجبتُ من مديح الناس وتبجيل بعضهم له، بحجّة أنه كان (قامة) في الفنّ، بل وجزمهم أنّه ليس هنالك من لم يستمع (وليس يسمع) له من جيلهم (الذي هو جيلي)، ولم (يطرب) له.
وأقول لهؤلاء ما أذكره أنا عن هذا المغنّي: كنا في طريقنا من أو إلى سورية بالكرنك، وكان هذا من أكثر من عشرين سنة، وعلى عادة السائقين كانوا يشعلون برامج (ترفيهية) على الشاشات الصغيرة في الحافلة، وأذكر أنها في مرّة كانت تعرض حفلا خاصّا للمذكور، وقد وقف يغنّي وأمامه طاولات عليها رجال ونساء ومشروبات كحولية، والكلّ يشرب ويهتزّ والجالسات ينهضن بملابس هي أقرب للباس النوم، ويرقصن.

بس.. ورغم مضيّ هذا الوقت كلّه، ما زال هذا المشهد محفوراً في ذاكرتي، وهذا كلّ ما لصق بذهني عن أخلاق ومبادئ وأعمال هذا الإنسان.
فبالنسبة لي، لا هو موضع رحمة ولا لعنة، هو ليس موجوداً في خارطة حياتي من الأصل لأنه لم يقدّم لديني شيئاً، سوى مظهراً فاسداً لا أقبل أن أراه، ولا أن أعيشه.
ولست أعني الحفلات أو الرقص أو العريّ، بل أبسط الأشياء: رؤية المشروب ولو على الشاشة.
نعم، حين يظهر مشهد في فلم فيه بار ومشروب، وحتى لو كنت أشاهده وحدي، فإني أجتاز المشهد، لأني لا أريد أن أعتاد هذا المنظر.
نعم، نحن من الناس الذين لا يأكلون في المطاعم التي تصطفّ فيها زجاجات الكحول، حتى لا يتعوّد أبناؤنا هذا المنظر، حتى في المطاعم التي تقدم طعاما حلالا.
نعم، أنا من النساء اللواتي يتفادين التواجد مع السيجارة أو الأركيلة في جلسة حتى لو كانت نسائية، بغضّ النظر عن الضرر الصحّي، لا أريد أن أعتبر هذا الأمر عاديّاً. أنا أراه معصية، ولا أريد أن تعتاد عيني رؤيتها. وإنّ من أقاربي المقرّبين من يدخّن من ثلاثين سنة، فما أشعل سيجارته يوماً أمامي ولا أمام بناتي احتراماً لمبدئي.
وقد يقول قائل إنّ هذا يضيّق علينا حياتنا، ويصعّبها، فأقول: ومن قال إنّ الحياة للمسلم يفترض أن تكون سهلة؟! فما نفع الآخرة وما اختلاف الجنّة عن الدنيا إذاً؟!
وأنا ما زلتُ من هؤلاء الغريبين الذين لو مالوا وسمعوا، عادوا فتوقّفوا، ولو وقعوا.. نهضوا وتشبّثوا بالصحبة التي هي مثلهم. لذا أجد انشغال المسلم بشخصٍ كهذا عجيباً، وتافها، ومؤذياً، ويدلّ على كارثة عظيمة، وقد صار الدين إضافة ومن الكماليّات، ولم تعد حياتنا كلها في الدين، وللدين.
صار الدين شيئا جانبيّاً، ولم يعد هو أساس الحياة ومحورها وأدقَّ تفاصيلها.
لم تعد لدينا مرجعيّة لتنشئة الأجيال، وقد كفروا بكلّ شيء لأنهم وضعوا الدين في خانة التقاليد، والحرام في خانة العيب، والمكروه في خانة (معليش)، والمستحبّ في خانة (مو لازم)، ولم يعد أحدٌ يفهم أو يستوعب، أنّ اختصار أيّ تفصيل سيؤدّي بالضرورة لاختصار الأصل.
ألا تجد أنّكَ حين تقلّم من أغصان الشجرة الكبيرة تُنبِت الشجرةُ من مكان آخر أغصانا أخرى صغيرة، لأنها تريد أن تعوّض النقص، فما يحدث برأيك لو قلّمتَ كلّ أفرعها الصغيرة سويّة؟ ستموت.
وهذا هو دينك.

إنّنا نتحوّل لمبدأ العالم المسيحيّ الذي صار معظمه إن لم يكن كلّه، يفصل الاعتقاد عن التطبيق والعمل، ولا أدري ما يبقى من الدين بعد ذلك!

إنّني أشعر بالغربة بين قومٍ يُفترض أنّي أنتمي إليهم، بينما لا أجد هذه الوحشة بين من يدينون بغير ديني، لأنّهم باختصار لا يفهمون أنّ هذا الدين بالذات هو كلّ حياتي، ويفترض أن يكون معيار ومقياس كلّ شيء في حياة الذي يدين به. فما بال قومي صاروا بلا هيئة ولا لون، وذابوا وسط زحام التوافه كغيرهم في هذا الكوكب؟!

7.11.2021

  • هو اختصار: وسائل التواصل الاجتماعية، وقد ابتكرته لتوّي لأكتب هذه التدوينة.

لعبة وانكسرتْ !

سمعتُ اليوم تتمّة قصّة عرفتُ تفاصيلها الأولى قبل أشهر، القصّة أنّ عائلة أرادتْ تزويج ابنها، فخطبتْ الأمّ ابنة أختها اليتيمة، أي أنّ أختها متوفّاة وعندها ابنة تعيش مع الأب وزوجته، كان هذا قبل ثلاث سنوات تقريبا، وكانت الفتاة فائقة الجمال تبلغ خمسة عشر عاماً، وتعيش في ظروف الفقر والحرب في سورية، وطبعا بلا تعليم، وبلا حنان وبلا قدرة أو إرادة على قول (لا). وسكنتْ في نفس البيت مع حماتها التي هي خالتها، أخت أمّها (سأكرّر هذا كثيراً)، لنفس الأسباب السابق ذكرها، بعد أشهر قليلة بدأ الزوج الشاب في ضرب الزوجة (القاصر والطفلة في معظم قوانين العالم)، ثمّ تحوّل الضرب بتشجيع أمّه (خالتها) إلى ضرب مبرّح، وحين حاولتْ أن تلجأ لبيت أبيها، كانت الكلمة أن: عيب، وابقي عند زوجك، وما عندنا بنات يحردوا. حتّى ضربها ضرباً سبّب لها شللا رباعيّاً لكسر في العمود الفقريّ. وعندها أعادها إلى أبيها طبعاً، وبقيتْ مشلولة وشبه متخلّفة عقليّا نتيجة الضرب مدّة عامين، حتّى توفّاها الله قبل أيّام، وهي في عمر الثمانية عشر.
ببعض الإحصاءات الرقمية البسيطة، نستنتج أنّها لم تعِش مع ذلك الزوج (مجازاً أسمّيه كذلك) إلا شهرين أو ثلاثة، فما الذي رآه منها يدفعه لضربها وهو العشرينيّ؟!
الإجابة: لم يرَ شيئاً، بل كان ينفّذ كلام أمّه حرفيّاً: اضربها حتى تعرف أنّك رجل، اضربها حتى تتربّى، اضربها حتى تتعلّم.. إلخ. أمّه (خالتها)، وهي اليتيمة.

الآن سيأتي من يبدأ في الكلام عن استبداد الرجل، والذكورية التي تحكم هذا العالم، ولن أعارض هذا أو أناقشه. لكنّي سأعود للنقطة التي أقولها دائماً: الأمّ هي مركز تصنيع الإنسان، الصالح والطاغوت، العادل والدكتاتور، الإنسان والوحش، وهي المُلامة أوّلا وليس أخيراً. الأمّ ومن يقوم مقامها في حال غيابها لسبب قسريّ. والطفل مهما كان صغيراً، يعرف متى يكون غياب أمّه عنه بغير إرادتها ومتى يكون باختيارها. وهذه العلاقة بين الطفل وأمّه/مربّيته تستمرّ حتى عمر البلوغ والاستقرار الهرمونيّ، أي هي تمتد خمسة عشر عاماً تقريباً! تكون فيها الأمّ هي المركز الأساسيّ للتشكيل النفسيّ والعاطفيّ والاجتماعي للطفل، وأيّ خلل في هذه العلاقة والرابطة، لا بدّ وأنّ يؤدّي إلى نتيجة سلبيّة ما في جانب من جوانب شخصيّته في الكِبَر. وما لم يشعر هو لاحقاً بالحاجة لمعالجة هذا الخلل، ويتوجّه لطلب المساعدة، أو يجبره أحدهم بقوّة القانون مثلا على تلقّيها، فلا يمكن لهذا الخلل أن يُعالج.

ونجد أنّ كثيراً من الناس بل وعلماء النفس يفسّرون أسباب الخلل العاطفيّ التربويّ بأشياء محدّدة، كحرمان الطفل من الرضاعة الطبيعيّة، رغم أنّ الكثير من الأمّهات لا تستطيع أن ترضع طبيعيّاً لأسباب متعدّدة لا علاقة لها بعدم الرغبة، ولا تعني الرضاعة الصناعية أبداً أنّ الطفل سيتمّ إلقاؤه مع زجاجة الحليب لتناولها بمفرده كطبق طعام لشخص بالغ! فهنالك تجنٍّ كبير وجدته بين صفحات المقالات، وتركيز على أشياء من التوافه مقارنة بأشياء حقيقية جادّة، وهذا ليس غريباً لأنّ هذه الكتابات جميعها من ذكور! وهم لا علاقة ولا علم لهم -مهما حاولوا الادّعاء- بأيّ من هذه الحقائق التي لا يستطيعون ملاحظتها ولا فهمها أصلا.

ولو كانوا منصفين، لبحثوا في عدد الأطفال الذين رضعوا رضاعة طبيعيّة ولكن كما ترضع الجراء من أمّهاتها، أي كمصدر للغذاء والحليب فقط، بل أسوأ، لأنّ قطّتي كانتْ تستمرّ في لعق جرائها وهي ترضعهم، وتجلس ولا تتحرّك حتى ينفضّوا هم عنها. أمّا الإنسانة، فترضع وكأنّ تلك مهمّة تريد الخلاص منها، أو تؤدّيها بلا مبالاة، وتكبر معها هذه اللامبالاة، فنجد الطفل في عامه الأوّل وقد بدأ يمشي ويركض ويسحب الأشياء ليتعرّفها أو يرميها ليرى ردّة فعل أمّه، ويضع كلّ شيء في فمه، ويفتح الخزائن حيث موادّ التنظيف وهو في كلّ ذلك يقلّد أمّه/مربّيته، فماذا يكون الكلام؟ (وِرش، حِرِك، ما بلحق عليه.. إلخ).
إنها سنّ حرجة وخطيرة وتحتاج يقظة تامّة، مع هذا، نجد تلك الأمّ تتركه يفعل ما بدا له بحجّة أنّها مشغولة في طبخ أو هاتف أو لأنّه فقط خارج قدرتها على السيطرة وهو ما زال في عامه الأوّل! وقبل أن يختنق الولد أو يصاب بحادث ما، تركض فزعة مولولة وتُظهر جزعاً رهيباً، يعجب الرائي منه، ويشعر أنّها إمّا بلهاء أو مصابة بقصور في نموّها العقليّ، كيف لم تفهم أنّ تصرّف الطفل خطير وسيودي به إلى نتيجة خطرة؟ وكيف لم تفهم أنّ عليها أن تحيطه كلّ وقت يقظته وأن تجلس معه هادئة مراقبة حازمة؟ وكيف لم تفهم أنّها ستبقى سنواته الأربع الأولى كلّها وعيناها عشرة على عشرة عليه، ولن تنال شيئاً يسمّى قسطاً من الراحة؟

الآن، ما هو الأدهى من هذا التصرّف؟ إنّها كلمة: ابني ما حدا بعيّط عليه!. وهذه كارثة ثانية، فطالما حضرتكِ لم تقومي بتربيته، فهذا يعني إنّ ابنك قد (رِبي عَدِي)، كأيّ كلب شوارع، وماذا يفعل الناس بكلب الشوارع الذي يهجم عليهم أو ينبح في وجوههم؟ يمسحون على رأسه مثلاً؟ لو ألقوا إليه طعاماً فذلك ليتّقوا شرّه، لكنّهم غالباً سيقذفونه بالعصيّ والحجارة. وأنتِ تركتِ ابنك أربع سنوات يربى لوحده ككلب الشوراع، لا تقولين له كلمة (لا) على أيّ شيء، وليست لديك قدرة على تضييع دقيقتين من وقتكِ الثمين لتخبريه بحزمٍ أنّ ما يفعله خطأ، ثم تعطينه بديلاً وتجلسين معه ليتمتّع وتتمتّعي بهذه اللحظات التي لن تعود. ولمّا كبر وصار مثل الحيوان الشارد الذي يدور ويدور ولا يستطيع التركيز على شيء ولا يترك شيئا أو أحدا في حاله، مؤذيا لنفسه ومن حوله، ترفضين أن يوبّخه الناس ولو كان في بيوتهم! بل ولو وقع له حادث كأن يتسلّق الجدار كالسحلية فيقع، تلومين أهل الدار أنّهم لم يجعلوا حائطهم خشنا كفاية ليتمسك به ابنك! ولو فتح باب الشارع وركض فجأة إلى مجال السيّارات، لصرختِ في وجه صاحبة البيت أن لماذا لا تقفل الباب بالمفتاح!! وهلمّ جرّا..

هذا النموذج موجود بكثرة حولنا. فإن أضفنا على ذلك أن يكون الطفل (ذكراً)، فإنّنا نرى أنّ الأمّ التي تنجب صبيّاً في مجتمعاتنا، تحوّله إلى مخلوق مقدّس بسبب تركيبه الخَلقيّ الذي ليس لأحد سوى الخالق من يدٍ فيه. فإن لم تفعل هي، فعلت النسوة من حولها. نعم، النساء هنّ من خلقن عقدة الذكورة هذه، وتبدأ المباركات والتهليلات وكأنّها رُزِقتْ صكّ دخول الجنّة! وأشياء كثيرة من نوع: ابنك سندك، وكثير من الهراء والأمثال الشعبية العجيبة.
مثل هذه الأمّ تصنّف تحت (عديمة الجدوى)، بل وأحياناً (ضررها أكبر من نفعها)، تعتقد أنّها إذا عانتْ آلام الحمل والولادة فقد غُفِر لها ما تقدّم من ذنبها وما تأخّر، وأنّ مهمّتها انتهتْ بـ (تفريخ) مخلوق آخر.
أمّ لا تدرك أنّ حياتها لم تعد ملكاً لها منذ إنجاب أوّل طفل، وتريد أن تبقى كما هي.

بعد هذا كلّه، إذا عدنا إلى قصّتنا في البداية، سنجدها النموذج المثاليّ -لو صحّ التعبير- لهذا السيناريو اللا تربويّ العجيب. الأمّ (اشترت) لابنها لعبة جميلة، خرّبها، ورماها، وأتى بغيرها. هكذا ببساطة.

في عالم الوحوش كالسباع مثلا، هنالك أيضا أمّهات وأبناء، الأمّ تصيد ابن حيوان آخر لتطعمه لابنها، ولا نقع في حبّ هذه الأمّ ولا نرفع لها قبّعة التقديس، لأنّها تفعل ذلك بفعل غريزتها الحيوانيّة البحتة التي خُلِقتْ عليها. لكنّ الأمومة في عالم الإنسان تختلف، هي عقلٌ ووعيٌ وتعلّم واكتساب، لأنّنا لسنا بهائم. ومن تكتفي بغريزتها فقط، لا تختلف شيئاً عن عالم الحيوان، ومن الأفضل أن تذهب لتعيش فيه مع أبنائها.

من الغباء أيضاً ما تفعله بعض النساء اليوم من ربط التربية بالعلم، وفرقٌ بين العلم الأكاديميّ والتعلّم المكتسب. لا أنكر أنّ علم القراءة والكتابة يفتح للأمّ أبواباً إلى عالم التربية، لكنّ هذا يعني أنّ كلّ أمّ لم تحظَ بتعليمٍ أكاديميّ هي بالنتيجة جاهلة تربوياً ولا يكنها أن تمارس دورها الحقيقي كمربّية، وهذا تجنٍّ عظيم. هنالك أشياء أساسيّة أرى كثيراً من الأمّهات اللواتي لم يحظين بقدر كافٍ من التعليم، يسعين لاكتسابها بالخبرة والسؤال، كالخبرة بالتكنلوجيا وأفضل الطرق للتعامل مع الأبناء في هذا المجال. وما أكثر من حملن شهادات الماجستير والدكترة، وعانى الأبناء من ذلك، وظهرتْ آثار المعاناة عندما كبروا بالشكوى التي يعبّرون عنها بطرق مختلفة، أبرزها الفشل في تكوين أسرة حقيقيّة.

وأخيراً، فكما كان الحثّ للرجل على اختيار الزوجة التي يرجو منها أن تكون مربّية صالحة، طالما هو يتزوّج أصلا لبناء أسرة، فعلى المرأة ألا تقبل إلا الرجل الذي ترضاه أباً لأبنائها. وكون الحثّ جاء للرجل، فهذا بحكم أنّه هو الطالب والمتقدّم غالباً، والمرأة مطلوبة. لكنّ تفكير الكثيرات عند اختيارها للزوج لا يتعدّى احتياجاتها هي، ولا تحاول مجرّد تخيّل زوجها في حالة الأب مطلقاً. وهي بذلك -إن كانت حرّة الاختيار- تتحمّل مسؤوليّة الإساءة لأبنائها الذين لم يأتوا بعد.

كان الله في عون من ابتُليَتْ في أبنائها أو زوجها، والله يعلم مقدار ما تبذل من جهد. ولا سامح الله الأمّ غير المبالية، ما أقبح جريمتها وما أكثر المجرمين والمرضى والمعقّدين الذين ابتُلي بهم هذا العالم من مثل هاته الأمّهات.

16.4.2021