مضمار سباق

هل تذكر؟
يوم وقفنا في خطّ سباقٍ واحد
كلٌّ منّا يريد الفوز لوحده
لم نفهم غرض التحكيم
من حمل سلاح ناريّ
في حلَبِ سباقْ
ذاك الحكم الأوّل،
أطلق طلقة
فبدأنا نركض
درنا في الحلبة نتنافس
كي نصل إلى..
ما كنّا عنده
من أوّلْ وجْديد!

وتلبّكنا1 ..
فتوقّفنا كي نستوعب ما يحدث
فإذا بالمتحّكم يصرخ:
لا تقفوا
لم ينجح أحد بعد..
هيا، هيا تحرك
منّك لُه!
هشّ علينا بمسدّسه
وكأنّا بعض دجاجٍ أخرق..
وبكل غباءٍ لا يوصف
عاودنا الركض!
ولم لا ؟
فلعلّ نهاية هذا الركض
كيس طحين
أو عبوة زيت التموين!

ورجعنا ندور
في ذات الحلبة دوراً آخرْ
لكن في هذي المرة
أطلق أحد الحكام رصاصة
فهلعنا.. وتوقّفنا
صاح بنا:
ثمة من خالف قيد السبق
كان يغشّ!

غِش؟!
كيف يغش؟!
لا أحدٌ منّا يجرؤ
أو حتى يملك طاقة..
صاح بكل الجبروت:
الغشّ هنا
أن تقف -بلا إذنٍ- كي ترتاح!
حقا؟!
الغش بأنّ نرتاح؟
هذا عهد من قانون مَسخٍ
لم يسبق أن عشناه.
وبكل خنوعٍ تابعنا الركضْ
إذ صاح الصائح:
لا تقفوا!
وفهمنا حين أشار بفوّهة سلاحه
أن من يقف الآن..
يقع صريعا!
وبكل الذعر ركضنا
لا أحد منا يبغي الفوز
الآنَ نريد نجاةْ
لكنّا أثناء الركضِ تباطأنا
نتلفّتُ
أين هو؟
ذاك الواقع برصاصة..
آآه.. في الوسَط هناك
ما يفعل في وسْط المضمار؟
وتباطأنا أكثرَ نرنو نحوه
فإذا هو ينهض
يقف وحيداً يهتف:
يالعذّبوكم
يالقهَروكم
فلتقفوا هنا توّاً.. يكفيكم!

وتوقّفنا بلا تصديق
ما يهذي هذا المجنون؟
وتشاغلنا بسؤالٍ
لا يعنينا في الواقع:
أين دماؤه؟
ولماذا لا ينزف لو كان مصاباً
بعيارٍ ناريّ؟
وتشاورنا:
هل يعني هذا أنه يكذب؟

فهم خواطرنا من بُعدٍ،
لوّح بيديه لنا:
يالغبنوكم
يالسرقوكم
كذبوا عليكم،
فلتقفوا هنا.. يكفيكم!

وتبادلنا النظرات،
ما معنى هذا؟
فإذا بأحدنا قد هرول نحوه
دقّةُ كتِفٍ بينَهُما،
وتحيةُ كفّ
فتساءلنا:
من أين الصحبة جاءت
والكلّ هنا أعداء؟
الكلّ يريد الفوز لوحده،
ونجاتَه شخصيا؟
هل كانا متفقين؟
أمؤامرةٌ هِي؟!

في تلك اللحظة
دوّى صوت رصاصٍ متلاحق
لا ندري من أين
طمّنا2 هلَعاً وتفقّدنا
بعضاً بالنظرات
آلكلّ بخير؟
أدركنا أنا
نهتمّ لبعضٍ حقّاً
أنا وُلِدنا إخوة،
وتفرّقنا حين كبرنا
أنّا كنا نتنافس لرضاء الحُكّام
في سبق لا يعنينا،
في نصر ليس لنا

وهناك بوسَط المضمار
كانا يقفان
الأوّل يكمل ما بدأه:
يالسجنوكم
فلتقفوا هنا..
يكفيكم ركضا خلف سرابٍ..
يكفيكم!
والثاني يرفع شارة نصر،
مبتسماً..
فتباطأنا أكثر،

وانسلّ الثالث نحوهما
حملاه بفرحٍ فوق الأكتاف
راح يغنّي:
جنّة، جنّة جنّة..

الآن وقفنا تماما،
مأخوذين بسحر المشهد
هل حقٌّ هذا؟
هل يمكن فعلا
أن نرتاح من الركض الأخرقِ
نحو اللاشيء؟
أن نحتفلَ سويا،
نرقصَ ونغني..
نتمازحَ، نتعانقَ،
أن نحيا طبيعيينَ كما خلقِ الله
في كلِّ بقاع الأرض عدا
هذا المضمار؟

وأتانا جوابٌ..ما أسرَعَه،
في طائرة مجنونة
تحمل..
آآه مما تحمل
لا منشوراتِ ولا أوراقاً
لا شيئاً ممَّ عهدنا قبلا
وسمعنا حكماً يسخر منّا:
(غِيركم كان اشْطر!)
برميلٌ، صاروخٌ،
أطنانُ قنابلْ
هيا اركض..
حاول أن تنجو!

وبكلّ بساطة،
جلس الحكام -حكام السبق الأسود-
في صفّ مقاعدَ أوّل
كي يمكنهم
رؤيةُ كلِّ محاولةٍ..
للغشّْ
دون عناء!
أعني ..
كلَّ محاولةِ نجاةٍ
أو هربٍ
أو حتى مواساةٍ، أو إنقاذْ

وتساقطنا، الواحدَ تلو الآخر
نتخبّط في بحر الدمّ
وبكلّ السخط الكامن فينا
رُحنا نهتف في وجه أخينا:
الحقّ عليك!
الحقّ عليك!
أنتَ خرجت من السبق وخالفتْ
وتورّطنا، الكلُّ الآنْ
في هذي المذبحة الخرقاء!

لكن أين هوَ؟

في زاوية معتمة ٍكان،
ينزف من كلّ مكان
وأحدنا.. ذاك الثاني
من رفع أصابعه نصراً
يُسنِدُ رأس أخيه،
يبكي عليه..
الراقد لم تهدأ أنفاسهُ بعد،
وبصوتٍ واهنْ ما زال يردد:
يالخدعوكم..
يالخدعوكم..
المجد لكم.. والمجد بأيديكم.

وبكينا..
أدركنا أيّ غباءٍ أعمانا
لكن ماذا بأيدينا
أن نفعل؟

طائرة ثانية، ثالثة.. عشرٌ
من كان يصدّق أن سباقاً
قد يبدو بريئا في أوّله
سيقود الكلّ إلى حتفه؟!
أيّ رياضة،
تسمح للحكم بقتل الخيل المنهَك؟
وبذبح الجمهور؟!
ماذا يحدث..
أي جنونٍ هذا؟
وحملنا أوّلنا، نبغي دفنه
فإذا زخّ رصاصٍ من كلّ مكان..

وبكلّ الخوفِ
وكلّ الذعر ِ
وكل الحنَق ِ
وكل الغيظ
أدركنا أنا
إن لم نتحرك
معَ بعضٍ، توّاً
فالكلّ قتيل.

تحيّا، تحيّا
تحيا فلسطينا
لم نعرف من كان يغنّي
لكنّا أصغينا
رُحنا نتلفّتُ..
أين الصوتُ وصاحبُه؟
فإذا بين غبارٍ وركام،
كان ملثّمْ
بذراع مفتول يحملُ.. سيفاً!
والمصحف..

وتبادلنا الاستنكار جميعا:
سيفٌ؟
ما يفعل سيف لو قصفت طيّارة؟
ما يفعل سيف لو قذفت دبّابة؟
لن يصمد هذا السيف،
سيصير صفيحاً، في لحظة!
والمصحف..
جاء به كي يتمزّق.. ليهينه!

يبدو أنّا لا نتعلّم
نتسرّع دوماً في اليأسِ
نعلن ندباً واستنكاراً قبل التفكير
لم يحدث شيءٌ مما قلنا،
وبسرعة شهبٍ ملتهبٍ
وبقوّة بركان ثائر
قفز ودار وسدّد،
فأطاح بعنق الحكم الأوّل،
وانتفض بقيّتهم هلعاً
قفزوا ركضاً..
تسألني أين؟
في الحلبة طبعاً..
وهنا..
راح الجمهور يصفّق ويصفّر.

ولأوّل مرة
من زمنٍ لا ندرك بُعدَه
كنّا نتبادل نظرات الوِدِّ بصمتٍ
ودمانا..
تسري دروباً، تتلاقى
لا بأس
سنعوّضهُ، هذا الدمّ
كنّا نضحك من قلبٍ واحد
لا شيءَ يهمّ الآن
فالأسوأ قد مرّ بنا..
وتجاوزناه
الآن سنرتاح معاً،
ونغادر هذا المضمار..
كي ندفن أوّلَ شهدانا.
القائلَ في آخرِ نفَسٍ:
المجد لكم..
والمجد بأيديكم.. لو شئتم3 .

9 جمادى الثانية 1445هـ


1 التلبّك: كلمة فصيحة معناها الاختلاط والارتباك، تستخدم في بلاد الشام.
2 التطمين: الانخفاض. كلمة فصيحة تستخدم في منطقة درعا.
3 المشيئة هنا بمعنى الإرادة، ولا مشيئة أولا وآخرا إلا لله سبحانه وتعالى.

إن أعجبك المحتوى، يمكنك مشاركته:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *