البرق الصامت

الزمان: آب اللهّاب، بداية الشهر الميلادي الثامن لهذا الصيف ٢٠٢٦.
المكان: هامبورغ، أقصى شمال ألمانيا، حيث الليل في عزّ الصيف لا يجاوز أربع ساعات. والنهار شمس حارقة ورطوبة خانقة.

قمتُ لصلاة الفجر في الرابعة صباحا، وكانت النافذة المشرعة إلى يساري لا تُدخل شيئا في ذلك اليوم سوى المزيد من الرطوبة. نويتُ في الصلاة، فإذ أنا ألمح بطرف عيني وميضاً من الخارج، كومض الفلاشات من كاميرا التصوير. انتهيتُ من السُنّة وأنا أظنّ أنّ الأمر لا يتعدّى جهاز إنذار ما أو شيئا من هذا القبيل. نظرتُ من النافذة فلم أرَ شيئاً، فتابعتُ الصلاة، لكنّ الوميض لم يتوقّف. أنهيتُ التسابيح ونهضتُ للشرفة في الاتجاه المقابل، سألني زوجي: اشبك؟ قلت: في شي غريب.. كأنّه السما عم تلمع بس ما في صوت رعد ولا شي..
خرجتُ إلى الشرفة ووقفتُ أكثر من ربع ساعة أشاهد المنظر الفاتن:
وميض خافت جدّاً عبر السماء من اتجاهات متفرقة، لا يتوقّف. أخذ المنظر بنفسي، عندها تحرّكت إلى الهاتف أخيرا وبدأتُ التصوير. كان الوميض صامتاً لمدّة تزيد على عشرين دقيقة، ثمّ بدأ صوت الرعد يصل خافتاً جدّاً، وأخيراً صار قريبا ونزل المطر قويّاً.
لم أتوقّف عن التسبيح وأنا أصوّر وأراقب، وبقيتُ طيلة اليوم أعيد تشغيل المقاطع لابني الذي راح يتساءل بدهشة متى حدث كلّ هذا ولماذا لم يرَه.

قرأتُ لاحقاً عن هذه الظاهرة المسمّاة: البرق الحراري، وهذا هووصفها الذي شاهدته في ذلك اليوم:
هو عاصفة رعدية بعيدة يظهر ضوؤها في الأفق دون أن يصاحبها صوت رعد مسموع، تظهر كوميض ضوئي صامت أو ضعيف الصوت. ويحدث هذا البرق بسبب عواصف رعدية بعيدة جداً عن الناظر، فينعكس الضوء أو يتشتت في الغلاف الجوي لمسافات طويلة، بينما تتبدد موجات الصوت ولا تصل إلى الراصد. يظهر غالباً في الأيام الصيفية الحارة والساكنة في الأفق. يُرى على شكل إضاءة منتشرة وليست خطوطاً حادة واضحة.

وأفكّر بعدما قرأت، إنّ الإنسان مهما عاش وشاهد فلا يمكنه أن يرى كلّ مظاهر عظمة الخالق عزّ وجلّ. لقد عشتُ في هذه المدينة ثمانية عشر عاماً، وعاش زوجي فيها كلّ عمره، ولم يرَ أحدنا شيئاً كهذا من قبل.
ولم أكن أستطيع وأنا أصوّر، إلا أنّ أتخيّل الملائكة الموكلة بالمطر وهي تجرّ الغيم وتدفعه وتسوقه كما يسوق الراعي قطيع أغنام تتعارك أو تحتكّ ببعضها فيولد الشرر من صوفها. وأفكّر بطول تلك المسافة التي استغرقتْ أربعين دقيقة من بدء رؤيتي للوميض وحتى نزول المطر، ومن أين تشكّل هذا الغيم وجاء ليُؤمر فيمطر عندنا! سبحانك اللهم.

استمتعوا بالمشاهدة والسماع، ولا تتعجّلوا الانتهاء، إن هي إلا عشر دقائق فقط.