موت الكاتب

هل جربت أن تختنق بالفكرة؟

يعيش الكاتب ويموت في كل مرة تولد أو تموت شخصية من شخوصه، أو فكرة من أفكاره.
يمسك حلقه حين تلتفّ حبال مشنقة الحزن على روحه، ويأخذ شهيقا عميقا.. شهيقَ غريقٍ لا يرى غرقه أحدٌ فيسعفَه، ويصيح مستنجدا بكلّ كيانه المحترق، فلا يسمع صياحه الصامت المحتبس داخله أحد٬ٌ لينقذه.

نيران وهميّة تلسه أطرافه طيلة النهار، تترك حروقها آثاراً لا تمحى ولا يراها سواه.. فتزيد عذاب نفسه.

يعاني وحده، يتألم وحده، يبكي كثيرا وحده.
ألف عالم يُبنى داخله ويقوّض كلّ يوم.
تنهار دنيا ويموت أحبةُ وهميّون تعلق بهم، وصاروا جزءاً من كلّه، ولا يعرف بذلك من البشر سواه.

يمشي مطئطئا شاردا، كأنه في جنازة أبدية لا تنتهي.
يجرّ أقدامه كأنها عالقة في الوحل الذي لا يزول مطلقا.
وينظر للعالم حوله في يأس، ثم حزن، ثم غضب!
كيف يعيشون هكذا في سلام؟ مع كل هذا الموت الذي يعيشه هو كلّ يوم بتفاصيله؟
لكنه يمضي ويستمرّ محاولا إيجاد نهايةٍ لطريق الغابة المخيفة.

أشباحُها: أوهامه، وحوشها: أفكاره، وطريقُها الشائك المعتم الممتدّ: مخاوفه وقلقه.

كلّ أرواح البشر يمكن أن تهدأ أو تجد لحظة سلام، إلا الكاتب الذي يكتب عن آلام هؤلاء البشر، إن روحه تبقى في وجع دائم كأنها جرح يوشك أن يلتئم، فيحكّه أحدهم ويفتحه مجدّداً.

لا يتعافى الكاتب بالكتابة، بل يتعافى قرّاؤه، أما هو.. فعلاجه الوحيد أن يستسلم لمشنقة أفكاره.. ويختفي.

١ رمضان ١٤٤٧

فمن يأتيكم بماء معين

فمن يأتيكم بماء معين.

ثلاث آيات تلخص (رحلة الهداية) وتصورها بشكل رمزي يبدو بسيطا وسهلا، لكنه الإعجاز عينه.

أرأيت لو أنك أردت الوضوء في بيتك، فذهبت وفتحت الصنبور فلم تنزل قطرة، احترت ورحت تبحث عن الأسباب: كل شيء في البيت سليم، لكن عداد الماء يخبرك ألا ماء يدخل بيتك. وبعد ساعات من البحث عن (مصدر الخلل)، تكتشف أن المصيبة عامة على جميع من حولك، وأنّ البلدية نفسها لا تعرف أين ذهب كلّ الماء، وكأنّه غار فجأة في أعماق الأرض!

فكر في حجم هذه الكارثة: مدينتك بأكملها تعيش على تمديد مائي، يسحب الماء عبر أنانيب طويلة من خزان واحد، وهذا الخزان يسحب الماء من مصادر أخرى، وكلها خلت من الماء في غمضة عين، من المصدر إلى الصنبور. ولا يوجد أي ماء سطحيّ يمكنك أن تحصل عليه، ولا قطرة.
تخيّل (المقتلة) التي ستحدث، الفوضى العامة، الجنون، سفك الدماء لأجل قطرة ماء عذبة واحدة تُشرَب، و.. التأثير النفسي الذي سيصل مرحلة الكفر.

هل تخيلت؟

الآن، استبدل (الماء المَعين) الظاهر القريب الذي تناله كل يوم بلا أدنى تفكير في قيمته وبلا أي تعب في تحصيله، بهداية الله لك.

إنك في كل يوم تصحو مسلما مَهديّاً من ربّ العالمين لا حول لك ولا قوة في تحصيل تلك الهداية، ولا تتخيل حالك لحظة دونَها! كأنّها حقّ مضمون مكتسب لا يمكن أن يُسلب منك.
لكنه ممكن.. آيات سورة الملك تقول إن هذا ممكن جدا في غمضة عين. بل وتبدأ من النتيجة التي خوطب بها الكفار في نهاية السورة: قل أرأيتم إن أخذ الله منكم هذا الماء الظاهر سهل المنال، وجعله غائراً تبتلعه الأرض ولا يمكنكم الوصول إليه.. فما أنتم فاعلون؟
قل أرأيتم إن أخذ الله منكم هذا الهدى الذي تكفرون به، وتفرّطون فيه، وتتكبّرون عليه، ثمّ جئتم يوم القيامة ورأيتم جهنّم وهي تتميّز وتتفرّق وتتقطّع من الغيظ عليكم، ما أنتم فاعلون؟
قل أرأيتم إن عسّر الله عليكم هذا الرزق الذي تنالونه سهلا، وجعل أرضكم وعرة صعبة عسرة، أو متحرّكة كالموج تضطرب بكم ولا تستقرّ ولا تهدأ على حال، فلا يقوم لكم بناء ولا تسير بكم راحلة، أو جعل السماء تمطركم بالحصى والرمل بدلا من الماء، ما أنتم فاعلون؟
قل أرأيتم لو أنّ الله جعل أسراب الطيور التي تبسط أجنحتها وتقبضها في حركة موزونة منتظمة، تهوي على رؤوسكم وتتخبّط فوقكم في كلّ مرة تحاول الطيران فيها، ما أنتم فاعلون؟
قل أرأيتم كلّ جندٍ قويّ عتيد تظنّونه لا يُغلب، لو أراد الله أن تُغلبوا وتهلكوا.. ما أنتم فاعلون؟
لا يقدرون على شيء، وكذا أنت، نحن.. لا نقدر على شيء لولا أن هدانا الله. فماذا أنت فاعل كي لا يحرمك الله هذه النعمة؟

تخيّل مصيبتك: أن تُحرم الهدى، ولا تدرك ما أنتَ محروم منه. هل ترى الطغاة والمجادلين والمعاندين من حولك، هل تجدهم قلقين باحثين عن الخير أو الحقّ؟ أبداً، لأنّهم حين أعرَضوا عن نعمة الله وقد عرفوا بها.. حتماً عرفوا بها، جاءهم العقاب العاجل في الدنيا، أن يُحرموا حتى البحث عن الهداية!
ما أوجع هذه المصيبة.. أن يراكَ من حولك فيدعون لك: الله يهديك.. فتصرخ بهم: وأنا اش فيني؟!
مصيبتك ألا تدرك حجم مصيبتك، مرضكَ ألا تعرف أنَكَ مريض، بينما أنتَ تُنهش وتُؤكل، ومن حولك يتقطّعون أسفاً عليك، يمدّون لكَ أيديهم بالنجاة أن تعال، وأنتَ تشيح بوجهكِ في كِبر وتردّد: أنا أعرف ما أفعل!

في كلّ يوم وأنتَ تستخدم الماء عشرات المرّات، تذكّر: بين يديك نبعٌ من هداية الله لك، بين يديك قرآن متى تناولتَه شربتَ منه دون مقابل، ودون أن ينضب، ولا شيء يمنعك عنه ويحول بينك وبينه إلا نفسك.. والموت. فماذا لو جاءك وأنتَ عطشٌ ظامئ لكنّك معرضٌ عن الشرب، لكِبرِك وعنادك وسفهِك.. فما أنتَ فاعل؟!

الجمعة ٢٠ رجب ١٤٤٧

محصّل الذكريات

هل تتخيّل إنّي خرجتُ من البيت كله لأكتب هذا عنك؟ ولم يكن أحدّ سواي فيه.
ذهبتُ بدرّاجتي الهوائية إلى مكان جميل أعرفه، ساحةٌ واسعة نصف ظليلةٍ أمام مقهى جميع روّاده من الألمان، فضوليون ولكن (من بعيد لبعيد). أوقفتُ الدراجة وجلستُ على المقعد الحجريّ الطويل الهلاليّ الشكل، أخرجت دفتري وشطيرة الزعتر باللبنة والخيار، وشرعت أقضم وأكتب، والهواء الذي يهبّ يكاد يقلبني أنا والدراجة، رغم الشمس الساطعة والحرّ والرطوبة.
منذ زمن طويل طويــــل حقا، لم أكتب لك. لقد (سُحِلتُ) في خلاط الحياة العجيب، ولا يكاد الخلاط يقف لأنزل منه وألتقط أنفاسي وأحاول التوازن بعد كلّ هذا الدوران، حتى أسمع الصفير الذي ينذر ببدء الدورة التالية، وأودّ حينها لو أصرخ:(خلااااص.. مِش لاعب!) لكنّي أعرف أنّ الخيار هنا ليس لي.
مضى زمن طويل لم أستعن بكَ نفسيّاً، ولم أستحضركَ كروح خيّرة لتصرف الأرواح الشرّيرة المزعجة التي تملأ رأسي ويعلو صوتها بمجرّد أن يقف خلاط الحياة: الأوهام، والمخاوف، والقلق الذي يدور حول نفسه في جنون ككلبٍ أحمق محاولا عضّ ذيله!
كنتُ أظنّني نسيتك إلى ذلك الحدّ الذي لو حاولتُ أن أتذكّرك، فلن أقدر. لكنّي فعلت اليوم، ووجدتُك في مكانك في رأسي: في تلك الغرفة الهادئة المليئة بكتب لا تنتهي، تجلس مواجهاً للنافذة. نافذة بعرض الجدار الصغير، كافية لدخول كل شيء:
نور الشمس في الربيع، وظل الشجر في الصيف، والهواء في الخريف، والرعد في الشتاء.
كافية لدخول رائحة السرو النديّ، ورائحة البحر في يوم صيفي رطب، ورائحة الرمل بعد المطر، ورائحة غامضة تختلط بين الياسمين وملكة الليل.
كافية لدخول صوت الحمام والبوم والنوارس الحوّامة وصرصور الحقل.
إنها نافذة كبيرة بالنسبة للغرفة لأنها تحتل جدارا كاملا، ولكنها صغيرة بالنسبة لمساحة الكون خارجها. كافية لدخول شيء صغير من كل شيء، كي تبقى أنتَ منتعشاً، قادراً على هشّ تلك الأطياف القاتمة بحركة يد واحدة منك.
تجلس وتقلّب في تلك الكتب. لكن.. لا.. هذه ليست كتبا، إنها مجلدات حياتي: كل ما أذكره وما نسيته. مشاعري التي انتهت والتي ما زالت مستمرة. خواطري التي لا أقتنصها إلا نادرا، وأفكاري التي تنتهي وتذبل وتذوي بعد نشأتها لأني لم أزرعها فورا في مكان ما، الكثير من الفسائل والشجيرات قد ماتت قبل أن أستوعب وجودها أصلا. لكنها قبل موتها منحت وجودك زاداً وقوّة.
من العجيب أنّي وأنا اليوم في الأربعين من عمري، ما زلتُ أراكَ كما كنتُ أفعل قبل عشرين، أو ثلاثين، أو.. لا أعرف حقا، يبدو لي أنك كنت دائما هناك، على وجهك ابتسامة واحدة لا تتغير. مرّات تكون ابتسامة يأس، ومرّات هي ابتسامة المعرفة المرّة؛ معرفة من نوع: آآه لقد عرفتُ ولكن.. ليتني ما فعلت!

رأيتك جالسا هناك تقرأ بحرية كل ما يدخل الغرفة. لكنّك لستَ طاهر الذيل تماماً، فقد لمحتك تختلس قضمة من الذكريات هنا، وقطعة من الأفكار هناك.
تقول إنّك تنظّف عقلي أوّلا بأوّل كي لا تتراكم الفوضى؟ يا لك من داهية!
بعض أولئك الذين يتكلمون في رأسي، يقولون إن علي أن أخافك، أخاف ما تفعله، وأن أقضي على وجودك.
حسنا، إني أتساءل: لماذا علي أن أخاف؟! إنك محبوس للأبد في تلك الغرفة. لا أحد يعلم بوجودك سواي، ولا صوت لك.
اسمك؟ هويتك؟ ملامحك؟ كلها غير موجودة في أي سجلّ مدنيّ سوى سجلّي الشخصيّ. مجهولة للكل عداي.

يوما ما سأفنى، فتفنى أنت معي. يوما ما، سأشيخ ويتلف عقلي رويدا رويدا، وينقطع إمدادك وغذاؤك من ذكرياتي. يومها ستذوب وتتلاشى. وكما عشتَ شبحا في عقلي، ستصير شبحاً في العدم.

٢٢ محرم ١٤٤٦