سبع صنايع

لقد قضيتُ ثلاث ساعات ما قبل الظهر هذا اليوم، أعمل في حديقة ومدخل البيت، وأنا أستمع لمحاضرة والدتي عن الصبر والاحتساب (وعنوان المحاضرة مهمّ للأحداث التالية)، وأنتبه لابني الذي يقود سيّارته الصغيرة حتى مدخل المصفّ الخاص بالبناء ثمّ يعود إليّ، وقد وضعتُ له علامة كي لا يجتازها ويخرج إلى الشارع بالخطأ. كنتُ أحفر وأقلع بسرعة وعصبية نوعاً، فأما السرعة فسببها أنّي أريد أن أنتهي من أكبر قدر ممكن من العمل بالتربة الجافّة مؤقّتا لأنّ سماء الخريف غائمة منذرة بالمطر في أيّة لحظة. وأمّا العصبيّة فكانتْ لأنّ معظم جهدي كان لقلع بقايا العشب الذي زرعه (أحدهم) للمرّة الخامسة بعكس رغبتي، وفي كلّ مرّة أقوم بقلعه وأسافر؛ أعود لأجد العشب المزعج ينتظرني مجدّداً! وأحدهم هذا ليس زوجي، لو كان هذا قد جال بخاطركم.

وتوقّفتُ عن اقتلاع العشب لمدّة عامين، في فترة حملي وولادتي بمالك، وخلال هذه الفترة، أثبت لي (أحدهم) ذاك، أنّه لا يقدر أن يعتني بهذا العشب، ولكنّه يصرّ على ذرّ بذوره، لماذا؟ حاولت إقناع نفسي سابقاً بمعاناته من الفراغ، أو رغبته في إزعاجي (وقد نجح)، أو لعلّه يظنّ حقا أن العشب منظر جماليّ وصحّي (لا أحبّه وأتحسّس منه). الخلاصة: هو يفعل ذلك لأنّه يرى أنّ رأيه صحّ، وبس.

إننا على مشارف الخريف، إذا، هذا أنسب وقت لأقوم بما كنتُ أزمع القيام به من سبع سنوات! واللهِ، كلّما قلعتُ العشب وأردتُ وضع شيء وبدأتُ في التخطيط، رأيتُ العشب يمدّ لسانه الأخضر لي من جديد!

المهم، لم يبق سوى بعض التربة وبعض التهذيبات وترتيب الحصى، وهوب.. بدأ المطر في الهطول، فأسرعت أدخل الأغراض ومالك، وبدأت تناول وجبة الإفطار (في الواحدة ظهرا)، ثم التنظيف وإعادة الأدوات لمكانها في القبو، ثم الصلاة وطهي طعام الغداء، وفي أثنائه جاء زوجي يطلب مساعدتي لتركيب الأباجور.

والأباجور كلمة (فرنسية) الأصل، وتعني في بلاد الشام: شيش النافذة. ولو كتبتم في محرّك البحث (أباجورات المونيوم في علبة) لعرفتم المقصود، فهو عبارة عن حاجز بلاستيكي ومعدنيّ بشكل شرائح مترابطة تلتف على قضيب مخبّأ في صندوق أعلى النافذة من داخل الغرفة، ويتمّ تحريكه كهربائيّاً بالأزرار مثل الإنارة.

ما حدث، أنّ الشيش الكبير للشبّاك المزودج في إحدى الغرف، تعطّل قبل سفرنا من العام الماضيّ، وتعطّل بطريقة عجيبة: فقد ارتفع في علبته وما عاد ينزل. قلتُ ذلك لزوجي، وقال: طيّب. ولما حان موعد سفرنا في الصيف، رحتُ أغلق نوافذ البيت كلها كما عادتنا، فانتبه زوجي أنّ هذا الشيش لم يُغلق، فلما سألني قلتُ له ببراءة إنّه لا ينزل منذ أسبوعين، فغضب وقال: لماذا لم تخبريني من قبل ونحن على وشك سفر؟ قلت: بل أخبرتكَ، وقلت لي: طيّب. فسكتَ.

هامش مصيريّ: إنّ كلمة (طيب) عند زوجي معناها: سمعتكِ وحفظتُ المعلومة في الذاكرة لحين الحاجة إليها لاستدعائها فلا داعي لتكرارها ولا النقّ ولا التذكير.

وهذا يعني إنّي أخليتُ مسؤوليّتي من الأمر. هكذا سافرنا، وعاد قبلنا، وحاول أن يفهم العطل، ثمّ حاول أن يفتح الصندوق، وهو عمل أشبه بفتح صندوق باندورا، ولم يفلح في أيّ من المحاولات. وسافرنا هذا الصيف أيضاً، وبقي الشيش محبوساً في علبته، عالمين بأن المشكلة في الكهرباء لأننا نسمع صوت المحرّك في الرفع ولكنه لا يُسمع في الإنزال.

وبحكم نشأتنا أنا وزوجي في بيئات تشجّع الاعتماد على النفس (مشّوها اعتماداً على النفس)، فإنّنا نادراً ما نلجأ للصنايعية والأيدي العاملة من خارج البيت، فنحن جميعا أيدٍ عاملة.. داخله. وهنيئاً لمن أتقن سبع صنايع، فأبداً لا يكون بخته ضائعاً. السباكة، النجارة، الكهرباء، الدهان، الخياطة، البستنة، طباعة الثري دي.

هذه صنائعنا السبعة، نتشارك فيها أشياءً ونفترق في أشياء، فأنا لا أعبث بالكهرباء مطلقا، بل أترك له مطلق الحرية في التكهرب لحاله براحته! وكذا طابعة القطع البلاستيكية التي أفادتنا كثيرا، فقد اشترى القطع وركّب الطابعة بنفسه، وتعلم الرسم على البرنامج الخاص بها، وهو صعب في الحقيقة. ولا أحب موضوع قصّ الخشب وأخاف المنشار الكهربائيّ الكبير وأتحسّس من النشارة، لذلك أترك له هذا المجال أيضا. أما الخياطة والبستنة فهما مجالي الذي لا يناقشني فيه زوجي البتّة، ربّما احتراماً حقيقيا لشطارتي فيهما، وربما خوفا من مقصّاتي وجاروفي ومِعولي لو تهوّرتُ في النقاش.

تبقى السباكة والدهان، وهذان نتشارك فيهما، وكلّ منّا يعطي للآخر محاضرات في المجال، وقد نتعالق، لكنّنا نصل غالبا لنفس التسلسل:

١. أنا أقول له ما يجب أن يفعله، وسبحان الله، يكون ما أقوله صحيحاً. (بعد سؤال سبّاك أو دهّان حقيقي).

٢. هو يقوم بما قلت له أن يفعله، بعد أن حصل على التفاصيل من السباك أو الدهان، فأنا أجيد تشخيص العلّة واقتراح الحلّ وهو: أوجِد حلا!

٣. أنا أقوم بكل ترحاب بالتنظيف بعدما ينتهي هو من الحلّ.

في هذه المرّة، كان زوجي مصرّاً على تصليح الشيش بنفسه، رغم أنّ المجال جديد علينا (نعم علينا، وأنا مالي!)، وهو ليس متخصّصا في الكهرباء، فقد درس أساسياتها في الجامعة، لكنّها هواية بالنسبة له أكثر من كونها دراسة. وقد استعان بمارد المصباح (اليوتيوب) حتى شخّص المشكلة، وعثر على الحلّ. وحين خرجتُ السبت الماضي مع الأولاد، تركناه في الثانية ظهرا، وقد رأيته يحمل السلم الصغير من القبو ويصعد به للغرفة قائلا إنه عازم على فتح علبة الشيش، وقلت في نفسي: يلا بيتسلى في غيابنا. ولما رجعنا في العاشرة مساء، كان قد فرغ (توّا) من عمله.

لم أر أيّ ضحايا في الغرفة، ولا شيئاً واحداً يدلّ على أنه قد قام بأي عمل، اللهم إلا بعض الغبار، والسلّم.

لكنه أخبرني بأمر (صغيّور) لم أفهمه وقتها: لقد أراد إزالة الستائر الدانتيل البيضاء المعلقة على النوافذ مباشرة، ولم يعرف كيف. وهي مجرّد قضيب أبيض رفيع مثبّت على قطعتين من البلاستيك، مثبّتتان على حافّة النافذة من أعلى. أرجوكم لا تضحكوا، فهذه الأمور تبدو بسيطة وبديهية بالنسبة لنا معشر النساء، لكنّ الرجال يتوتّرون منها جدّاً وكأنّها تشكيك في قدراتهم العقلية ونضجهم الفكريّ.

وكان الخطأ الذي كرّره مرّتين، مرّة حين فكّ الشيش ومرّة حين أعاده، أنّه لم يقل لي قبل أن يبدأ العمل فأزيل كلّ شيء من طريقه.

أما الخطأ الثاني، فهو خطأ اللغة. إنّ أدوات اللغة قد تكون أدوات جريمة لو أسيء استخدامها.

إنّ زوجي لا يعاني من مشاكل في اللغة، بل هو يعاني من مشاكل (الرجال) مع اللغة (النسائية). تحديداً، لديه الأعراض الاعتيادية للرجال العمليين جدّاً، حين يحاولون التواصل مع امرأة، أدبيّة جدّاً.

كمثال، جرّبي أن تتركي قدر (السفرجليّة) يغلي على النار، وقولي لزوجك: بس تعقّدت؛ اطفي تحتها. سهلة.. صح؟

اممم.. النتيجة: ستتعقّد علاقتكما خمسة أشهر بلياليها لو حاول أن يفهم منكِ (تعقّدت) هذه، ولو حاولتِ شرحها.

الأمر ذاته حدث حين اتصل بي زوجي وأنا عند صديقتي وقال إنه لم يعرف كيف يزيل الستائر من النافذة. أوّلا: لم يقل أيّة ستائر، بل اكتفى بأن يقول إنه لم يعرف كيف ينزع القطعة المعدنية منها. وطفقتُ أفكّر: أية قطعة يقصد؟ فأجبتُه: هل تقصد القطعة الجانبية في العمود؟

قال: نعم.

فقلت: لماذا لم تزح الستائر كلها إلى جنب مع بعضها وخلصت؟ فكان جوابه: على كلٍّ مشي الحال.

وبينما كنت أقصد الستائر السوداء الأمامية الطويلة، والتي تعلّق على عمود الستائر الطويل، كان يقصد تلك الستائر البيضاء، ولم يقل لي مثلا: كيف أزيحها يا زوجتي العبقرية؟ أو: عن أية ستارة تتكلمين؟ أو: قطعة معدنية مثبتة على الزجاج. أبدا والله، بل اكتفى بكلمة: مشي الحال. إمّا لأنه يعتقد أني على صواب وفهيمة جدا، أو هو خائف (من لا شيء)، أو مذهول من غباء إجابتي (على الأغلب).

وبعد يومين، جاء حاملا قطعة كهربية تشبه (ترانس) اللمبة النيون القديم، لكنه أكبر، وقال: كلّ هذه المشكلة بسبب هذه القطعة المحترقة. إنها تكلف أقل من عشرين يورو، لكنّنا لو اتصلنا بعامل أباجورات، فسيأتي بمحرّك جديد بقيمة ثلاثمئة يورو، وفوقها أجرة يده التي لن تقل عن مبلغ مماثل.

قلت: وهل وجدتَ القطعة؟

– نعم، في البداية لم أجدها إلا في أمازون، ولم أطلبها (مقاطعة)، ثم وجدتها على موقع آخر.

* طيب الحمد لله.

وصلتْ القطعة اليوم، وطبعا، لم أتوقع أنه متحمس لدرجة أن يقوم بالتركيب فورا.. كان هذا خطئي الأوّل. وحين كنتُ على وشك نقع الأرز، وقد غطّيت وعاء الطهي الذي تغلي فيه القرعة، جاء يطلب مساعدتي لتركيب الأباجور، نظرتُ له في دهشة: الآن؟

قال: نعم.

وقالها ببساطة.. فظننتُ الأمر بسيطا. وكان هذا خطئي الثاني.

ولحقتُ به لأعلى، وأدهشني أوّلا أن كل شيء في محلّه: الستائر التي استفزّته في المرة الماضية، وحتى تلك اللحظة لم أكن قد فهمتُ مشكلته معها ولا حاول أن يشرح مجدّداً، وأصيص نبتتي الكبير على رفّ النافذة، وحتى سجادة الصلاة كانت مفتوحة في مكانها، وكلّ شيء وكلّ الأدوات في كلّ مكان، وفوق هذا، كان مالك الذي يهوى هذه الأمور بحكم المشاهدة والوراثة، يساعد أباه أيما مساعدة: أحضر مثقبه اللعبة الخاصّ به، وصفّ قصصه في شكل قطار طويل تحت السلم وفي المكان الذي سيدوس فيه أبوه تماما، وكأنه يتعمّد زحلقته.

جمعتُ الكتب سريعا، وحملتُ زرعتي إلى أبعد مكان آمن، وطويت السجادة، وأنزلت الستائر، وزوجي يحمل لفة الأباجور ويقف بانتظاري.

نعم، أنزلت الستائر لكني لم أنزع القطع من النافذة، تذكّروا هذا.

أين كنت؟ آه.. سبع محاولات -كما أظنّ- على مدى ثلاث ساعات.

في البداية، قال لي: امسكي! وهو يقف على السلم ويطلب أن أرفع، فصحتُ به أن ينتظر لأحضر كرسيّا، فأنا لا أصل ولا أرى شيئا، فكيف أساعده؟

ثمّ، ماذا سنفعل؟ فهمتُ بعد لا شرح، أنّ تلك القطع الأربع السوداء ستعلق بالشيش من جهة، ثم نعلّقها بالأساور البيضاء التي تلتفّ على القضيب المعدنيّ. لم يقل إننا سنقفلها من الجهة الثانية، وكأنّ هذا مفهوم بداهة.

في المحاولة الثانية، غضب وهو يطلب مني أن أفكّ القطع المعدنية من النافذة، لأنّها خربشت البلاستيك الأبيض في بضعة مواضع، أمسكتُ نفسي كي لا أتركه يقع هو والسلم وما يحمله! وبهدوء قلتُ له إن تلك القطع لا تفكّ إلا بفتح النافذة من الطرفين، وليس هذا ممكنا وهو ملتصق بها ويعلّق نصف الشيش الإسطواني بطول مترين، ويرفعه كي لا ينكسر!

لم يكن يشرح لي شيئا، كان يقول فقط: افعلي كذا وهو يرفعه، معتمدا على ذكائي أو معتقدا أني -كما أوحي له دائما- سأقرأ أفكاره وأنفّذ.

لسان حالي كان يصرخ: أبوس إيدك أن تتوقف خمس دقائق وتشرح لي ديناميكية الموقف.

ونتيجةُ عدمِ الشرح الوافي، محاولاتٌ أكثرُ ووقتٌ أطول وعذابُ عضلاتٍ ومحاولاتُ التوازن على الإفريز والسلم والكرسي، ونزول وطلوع..

وفي هذه الحزّة واللزّة، لم يتوقف مالك عن إيجاد مكان له بيني وبين أبيه، لكني -أعترف- أكثر شراسة من زوجي بمراحل حين يتعلق الأمر بعمله أو بسلامة الأطفال. فزوجي حين ينهمك لا يستطيع التركيز حتى لإبعاد أبنائه، أما أنا، فمجرّد أن ألمح مالك يتحرّك كنتُ أنذره أن يعود إلى (منطقة الأمان).

وأثناء إحدى المحاولات ألا يخنق أحدنا الآخر حقيقةً أكثر من محاولتنا تركيب أيّ شيء، صاح مالك: مامااا.. بطّوني عبتوجعني..

فصرختُ أن: يا بناااااات..خذوا أخوكم للحمام! توقيتك رائع يا ولدي..

لكنّ زوجي أمسك الشيش للمرة الـ.. وتركني أذهب إليه، لأنّ مالك لا يقبل أن يرى أحدٌ (العورة) غير ماما، أو بابا في حالات الضرورة القصوى.

وفي محاولة ما، اقترح زوجي أن ننزل الشيش ونتركه ينزلق في مساره ثم نعلّقه في مكانه، فهذا أسهل من رفعه بثقله علينا، فسألته: أين؟، أجاب: تحت القطعة الفضية هناك.

حاولتُ حشر الشيش وكان هو يحاول من طرفه، ويقول إنه لم يفلح، وقلت له إني لا أظنه نزل من طرفي أيضا. واقترحتُ أن يفتح النافذة وينظر، لكنه قال لا داعي، لأن المحاولة فاشلة.

فسألته: لماذا فككته قبل أن تقوم بتصويره؟ وما فائدة هذه القطع هنا وما دورها؟ فكان ردّه: لم يكن ممكنا أن أصوره قبل فكه، والقطع مفهومة، أنا أقول لك هي هكذا.

ولم يكلف خاطره حتى أن يقول لي أن القطعة تركّب من جهتين، وهكذا راحت أربع محاولات هباء حتى تكرّم ووضع القطع على السرير وأشار لي بوضوح مين يودّي على فين!

وفي محاولة بعدها، نجحنا في تركيب القطع الأربعة التي تحمله، ولكن حين ضغط زوجي زر الرفع لم يحدث شيء، ذلك أن المحرك كان مرفوعا للنهاية فعلا حينما رفعه هو، باعتقاده أنه أنزله! وراح يفكّ القطع وهو يحوقل.

وفي المحاولة ما قبل الأخيرة، كدتُ أفتك به وأنا أقول إنه يقوم بتركيب الشيش بالعكس، ولكنه أصرّ إني مخطئة، فاقتنعت إني حمقاء، وفعلتُ كما طلب، ولما انتهينا، وبدأ يرفعه، علق طبعا لأنه كان مقلوبا. وراح يفكّه مجدّداً.

وكان طعام الغداء قد صار عشاء في السابعة، ولم يحترق لو جال هذا بخاطركم، فقد ناديت لصفية من أوّل ربع ساعة أن تطفئ الموقد، وفي استراحة صلاة العصر، طبختُ الأرز، وأعدّت البنتان المائدة، وشاغلتا أخاهما حتى انتهينا ونجحنا والحمد لله، وقلت لزوجي: يعني الشيش صرله أكتر من سنة متعطّل وما صرلنا شي، ولما جينا نصلحه..

أكمل فوراً: صرلنا كل شي!

فضحكت وقلت له: لو أنك اخترتَ يوما غير هذا! لقد عملتُ ثلاث ساعات في الحديقة اليوم، وساعتان الآن من رفع الأثقال معك.

قال: المشكلة هي أن كلّ من عرضوا تصليح المحرّك على يوتيوب، كانت الأمور لديهم بالعكس: الشيش عالق وهو نازل مغلق، وهذا جعل الأمر سهلا جدا بالنسبة لهم، ولو كان كذلك معنا لما احتجنا كل هذا الجهد.

قلت: ربما كان الشيش لديهم مختلفا..قال بإصرار: لا، كلهم نفس القطع.. شوفي.

وفتح اليوتيوب في هاتفه وأراني المقطع، نظرتُ بغيظ، فلو أنه أراني المقطع في خمس دقائق قبل كل ذلك المجهود!

وعاد يؤكّد: لو أنّ محاولة إنزاله في مساره نجحت، لما عانينا كلّ هذه المعاناة.

هنا، وكأنّما أردتُ له أن ينفلق كما انفلقتُ على مدى ساعات، قلت:

بتعرف، كانت ستنجح، وهي نجحت من طرفك فعلا، ولكنه لم ينزل من طرفي. أتدري لماذا؟

نظر لي وعلامات الصدمة والإرهاق على وجهه، فأكملت بهدوء: لأنّك قلت لي (تحت) القطعة الفضية، ولكن حين نجحنا أخيرا في لفّه لأعلى وبدأ ينزل في مساره، أدركتُ أنّ مقصدك كان (خلف) القطعة الفضية. كنتُ أحاول حشر الشيش من تحتها، بينما هو سينزل من أعلى.. خلفَها.

وتركته ونهضتُ لأجمع الأطباق.

ألم أقل إن أدوات اللغة قد تصبح أدوات جريمة؟!

خطآن بخطئين، والنتيجة تعادل، ومرهم عضلات، وصنعة ثامنة.

٢٢ربيع الأول١٤٤٦

‏25sep2024

محصّل الذكريات

هل تتخيّل إنّي خرجتُ من البيت كله لأكتب هذا عنك؟ ولم يكن أحدّ سواي فيه.
ذهبتُ بدرّاجتي الهوائية إلى مكان جميل أعرفه، ساحةٌ واسعة نصف ظليلةٍ أمام مقهى جميع روّاده من الألمان، فضوليون ولكن (من بعيد لبعيد). أوقفتُ الدراجة وجلستُ على المقعد الحجريّ الطويل الهلاليّ الشكل، أخرجت دفتري وشطيرة الزعتر باللبنة والخيار، وشرعت أقضم وأكتب، والهواء الذي يهبّ يكاد يقلبني أنا والدراجة، رغم الشمس الساطعة والحرّ والرطوبة.
منذ زمن طويل طويــــل حقا، لم أكتب لك. لقد (سُحِلتُ) في خلاط الحياة العجيب، ولا يكاد الخلاط يقف لأنزل منه وألتقط أنفاسي وأحاول التوازن بعد كلّ هذا الدوران، حتى أسمع الصفير الذي ينذر ببدء الدورة التالية، وأودّ حينها لو أصرخ:(خلااااص.. مِش لاعب!) لكنّي أعرف أنّ الخيار هنا ليس لي.
مضى زمن طويل لم أستعن بكَ نفسيّاً، ولم أستحضركَ كروح خيّرة لتصرف الأرواح الشرّيرة المزعجة التي تملأ رأسي ويعلو صوتها بمجرّد أن يقف خلاط الحياة: الأوهام، والمخاوف، والقلق الذي يدور حول نفسه في جنون ككلبٍ أحمق محاولا عضّ ذيله!
كنتُ أظنّني نسيتك إلى ذلك الحدّ الذي لو حاولتُ أن أتذكّرك، فلن أقدر. لكنّي فعلت اليوم، ووجدتُك في مكانك في رأسي: في تلك الغرفة الهادئة المليئة بكتب لا تنتهي، تجلس مواجهاً للنافذة. نافذة بعرض الجدار الصغير، كافية لدخول كل شيء:
نور الشمس في الربيع، وظل الشجر في الصيف، والهواء في الخريف، والرعد في الشتاء.
كافية لدخول رائحة السرو النديّ، ورائحة البحر في يوم صيفي رطب، ورائحة الرمل بعد المطر، ورائحة غامضة تختلط بين الياسمين وملكة الليل.
كافية لدخول صوت الحمام والبوم والنوارس الحوّامة وصرصور الحقل.
إنها نافذة كبيرة بالنسبة للغرفة لأنها تحتل جدارا كاملا، ولكنها صغيرة بالنسبة لمساحة الكون خارجها. كافية لدخول شيء صغير من كل شيء، كي تبقى أنتَ منتعشاً، قادراً على هشّ تلك الأطياف القاتمة بحركة يد واحدة منك.
تجلس وتقلّب في تلك الكتب. لكن.. لا.. هذه ليست كتبا، إنها مجلدات حياتي: كل ما أذكره وما نسيته. مشاعري التي انتهت والتي ما زالت مستمرة. خواطري التي لا أقتنصها إلا نادرا، وأفكاري التي تنتهي وتذبل وتذوي بعد نشأتها لأني لم أزرعها فورا في مكان ما، الكثير من الفسائل والشجيرات قد ماتت قبل أن أستوعب وجودها أصلا. لكنها قبل موتها منحت وجودك زاداً وقوّة.
من العجيب أنّي وأنا اليوم في الأربعين من عمري، ما زلتُ أراكَ كما كنتُ أفعل قبل عشرين، أو ثلاثين، أو.. لا أعرف حقا، يبدو لي أنك كنت دائما هناك، على وجهك ابتسامة واحدة لا تتغير. مرّات تكون ابتسامة يأس، ومرّات هي ابتسامة المعرفة المرّة؛ معرفة من نوع: آآه لقد عرفتُ ولكن.. ليتني ما فعلت!

رأيتك جالسا هناك تقرأ بحرية كل ما يدخل الغرفة. لكنّك لستَ طاهر الذيل تماماً، فقد لمحتك تختلس قضمة من الذكريات هنا، وقطعة من الأفكار هناك.
تقول إنّك تنظّف عقلي أوّلا بأوّل كي لا تتراكم الفوضى؟ يا لك من داهية!
بعض أولئك الذين يتكلمون في رأسي، يقولون إن علي أن أخافك، أخاف ما تفعله، وأن أقضي على وجودك.
حسنا، إني أتساءل: لماذا علي أن أخاف؟! إنك محبوس للأبد في تلك الغرفة. لا أحد يعلم بوجودك سواي، ولا صوت لك.
اسمك؟ هويتك؟ ملامحك؟ كلها غير موجودة في أي سجلّ مدنيّ سوى سجلّي الشخصيّ. مجهولة للكل عداي.

يوما ما سأفنى، فتفنى أنت معي. يوما ما، سأشيخ ويتلف عقلي رويدا رويدا، وينقطع إمدادك وغذاؤك من ذكرياتي. يومها ستذوب وتتلاشى. وكما عشتَ شبحا في عقلي، ستصير شبحاً في العدم.

٢٢ محرم ١٤٤٦

هاتف ذكيّ؟ نحن أذكى

كما فعلت مع ابنتي الأولى (صفية) عند شرائها الجهاز الخاص بها قبل ثلاث سنوات، فعلت مع ابنتي (سمية) التي ابتاعت جهازها الخاص قبل بضعة أيام. هذه هي اللائحة النهائية التي توصلنا إليها بعد الاستفادة من تجارب الصديقات الأمّهات، وتجربتنا الخاصّة:


١. أهم بند: لكلّ منزل|عائلة قوانين خاصة تسري على أفرادها فقط، فلا علاقة لنا ببيت خالتي وبيت عمّي وبيت جدّي وبيت رفيقتي!
ولا بدّ من اتفاق الوالدين على هذه القوانين، وأن يكون (رضا الله) هو المرجعيّة الأساسيّة.

٢. لا بدّ أن يكون الجهاز الخاصّ جهازَ هاتف محمول، وليس جهازاً لوحيّاً أو حاسوباً، لأنّ الغرض الأساسي من هذا الجهاز هو الاتصال بالوالديْن عندما تستدعي الحاجة.
٢. العمر الأدنى لامتلاك هاتف ذكي خاصٍّ في بيتنا هو ١٢ سنة.
٣. ثمن الهاتف وملحقاته وأيّ شيء يتعلّق به (عدا الفاتورة الشهرية) يدفعه الطفل من ماله الخاصّ، وأي ضرر يلحق بالجهاز بعد الاستخدام، يتحمّل الطفل تكلفة إصلاحه من ماله الخاص أيضاً.
٤. شراء هاتف غالي الثمن لأنه من ماركة معينة، مرفوض، حتى لو كان الطفل يملك المبلغ كاملا.
٥. الجهاز ملكك ولكن تحت إشرافي، وهذا يعني أنّ لديّ كل الصلاحيات لسحب الجهاز وإبقائه عندي لو حدثت تجاوزات أو مخالفات للاتفقيات.
٦. كلمة سرّ الجهاز، وجميع كلمات سرّ الحسابات الشخصية، تسجّل لدى الوالديْن. ولا بدّ أن تبقى بصمة أحد الوالدين أو كليهما مسجّلة لفتح الهاتف في أي وقت. في حال إزالة بصمة الوالدين عن الهاتف، يتمّ سحب الجهاز من الطفل.
٧. بمجرّد إنشاء حساب جووجل للطفل ببياناته الرسمية الحقيقية، سيظهر خيار (إشراف الأهل) والربط ببرنامج (فاميلي لينك)، وهناك يتم تحديد وقت يومي للهاتف ونوعية البرامج والمشاهدات على يوتيوب وغيره. السن الأدنى لإزالة إشراف الأهل عن الهاتف في ألمانيا هو ١٦ سنة، بينما في البلاد العربية هو ١٣ سنة!
٨. ممنوع منعا باتا تحميل تطبيق (تيك توك) على الجهاز، ومخالفة هذا البند تعرّض الطفل لحرمان دائم من الجهاز.
٩. برامج التواصل والفيديوهات مقيّدة وقد يتمّ حظر استخدامها من قِبل الأهل لو أسيء استخدامها.
١٠. أي تراجع في أداء العبادات والفرائض أو المساعدة المنزلية أو المستوى الدراسي، بسبب الانشغال بالهاتف، يؤدّي إلى حرمان من استخدام الجهاز.
١١. يمنع دخول الطفل في مجموعات المحادثة التابعة للمدرسة أو لأنشطة عامة لا يعرف الأهالي فيها بعضهم البعض. ولو كان مضطرا لسبب ما، فيمتنع عن التعليق ويكتفي بالمتابعة. (تمت إدارة أكثر من أربع ندوات توعوية للأهل عن هذه النقطة، في مدرسة ابنتي سمية وهي في الصف الخامس).

هذه القوانين العامة في بيتنا، وقبل شراء الهاتف وتطبيق هذه القوانين، كان هنالك تأهيل وشرح لمدة لا تقل عن العام، عن فائدة هذه الشروط وكيفية التعامل مع الجهاز الذكي والإنترنت. وهنا بعض النقاط التأهيلية:
١. يتم شرح التحرّش الجنسيّ للأطفال في الصف الرابع الابتدائي في المدارس الألمانية. وبعد أن تحضر بناتي تلك المادة، أسأل عما فهمنه وأعيد شرحه من منطلق دينيّ. وخلال عام يليه، أشرح لهنّ تدريجيا عن التحرّش الالكتروني. وهذه المادة قد تُعرض لهنّ ولكن في الصف السابع الإعدادي.
٢. القدوة في التعامل مع الجهاز أمام الأطفال أهمّ من أية قوانين ولوائح واتفاقات. تعامل الوالدين مع بعضيهما ومع الأجهزة هو أفضل طريقة لشرح فوائد وأضرار الرقابة الإلكترونية، فالطفل لن يقتنع أن الأهل أيضا بحاجة رقابة على أجهزتهم إلا لو رأى ذلك.
٣. النقاش دائما وأولا بأول، وعدم الشك أو تكذيب الطفل لو أنكر شيئا ما، بل تذكيره برقابة الله، وتفتيش الجهاز خفية عنه، خصوصا في الفترة الأولى.
٤. التأكيد دائما على أن الأهل هم أمان الطفل وأن الشبكة مليئة بأشخاص قد يخوّفونه من أهله ويؤذونه أو يبتزّونه، ومشاهدة الفيديوهات التي تحكي عن تلك القصص ومناقشتها مع الطفل بين فترة وأخرى.
٥. الدعاء المستمر للأبناء بالحفظ وسلامة الدين، وتشجيعهم على المشاركة في الحياة الاجتماعية كي لا يتحول الهاتف إلى محورٍ لحياتهم.
٦. مشاركة الأبناء اهتماماتهم التكنلوجية، كبعض الألعاب والتحديات ومقاطع الفيديو المضحكة وصور طفولتهم، بين فترة وأخرى، يعزّز العلاقة بهم. كذلك مشاركة إنجازاتهم ضمن نطاق الأصدقاء (إلكترونيا) إن كان الأبناء يتابعون الأهل، يعزّز لديهم تقدير الذات والتعلّق بالوالدين.

روابط للاطلاع والإفادة:
السن المسموح به لاستخدام حسابات Google

كيف تعمل حسابات Google عند بلوغ الأطفال سن 13 عامًا (أو السن المعمول به في بلدك)؟

١٥محرّم١٤٤٦