أمعقول أن تجهله؟! إنه مشهور!

رابط تنزيل ملف الـ pdf من هنا 🙂

نُشِرت في يحدث الآن | الوسوم: , , , | التعليقات على أمعقول أن تجهله؟! إنه مشهور! مغلقة

ازرع، ستحصد يوماً ما

في مثل هذا الوقت من العام الماضي، مرّ شهر كاملٌ من الجفاف على مدينة هامبورغ، ولا قطرة مطر. استغللتُ هذا الوقت لإعادة تشكيل حديقة بيتي، بالعمل يوميّا لمدة ساعتين على الأقل، في الحفر والنشر والقص والردم والغرس… وبين يديّ صغيري بعمر عامين ونصف، يلهو بالتراب ويغوص فيه، ينقله وينثره ويبعثره، ويطير فرحا بدودة أرضٍ نجت من الجفاف فيلعب بها ويحملها ويضعها حتى تموت ذعرا، أو أنتبه أنا قبلا فأخفيها في تربة رطبة لتحفر وتنجو.
فعلت كل شيء وحدي، وبلا مخطط هندسي ولا خبرة سابقة ولا كتب. وبأعين الآخرين فليس ما فعلته عظيما، وربما لا يفهم الناظر لماذا أخذ العمل مني شهرا كاملا. لكني اليوم بعد مرور عام، وأنا أعيد ترتيب الحديقة، وأغرس بصيلات النرجس والزنبق في أحواض كانت ترابا فحسب، وأضيف أنوار الطاقة الشمسية، وأنظف الأرجوحة وأزيت مفاصلها، وأرى طفلي يصعد وينزل تلك الدرجات الترابية التي ابتكرتُها، ثم يجلس عليها ويصف ألعابه على درجة أخرى، أدرك أن جهدي لم يكن هباء.
لا نتفق أنا وزوجي في الذوق في أي شيء تقريبا، لكننا متفقان ألا ننكّد على بعضينا، فيتنازل أحدنا في أمر مقابل تنازل الآخر. وزوجي لا يحبّ الزراعة لكنه يحب الزرع، لا يحب الاعتناء بالشجر لكنه يحب وجوده والأكل منه، لا يحب التراب والماء والتلويص وكنس الورق وجز العشب، لكنه يحب المنظر المرتب. يحب الطبيعة، لكنه يرى نماذج الحدائق من حولنا فيعتقد أن النموذج الأفضل هو المرسوم بدقة، وأنا لا أطيق الدقة والمثالية والتنظيم في الطبيعة. لذلك تركني أفعل ما بدا لي، وكان يقدم المساعدة حين أطلبها، ولم أكن أحتاج لكثير من الجهد وتقريبا لا شيء من المال، سوى لشراء بعض البذور والغرسات. وصارت حديقتنا أشبه بغابة مهيئة للأطفال، كل ما فيها معدّ لهم، مع الحفاظ على مساحات وأحواض للشجر المثمر الذي يحبه هو.
والنتيجة تظهر كلما وضعت شيئا أخضر على المائدة من حديقة بيتنا، فيسرّ به سرورا عظيما وكأنه الذي زرعه وحصده شخصيا.
وحين جلست اليوم في الأرجوحة أراقب ابني الذي يحفر، نعم.. ما زال عندي حوضان ترابيان للحفر، لم أزرع فيهما شيئا بعد وربما لا أفعل مطلقا، أتركهما للصغير ليستحم بالتراب كما يشاء..
كنت أراقبه وأفكر في كل أولئك الذين أعدوا كل تفصيل في بيوتهم لسنوات، ثم راح كل شيء في لحظة. نحن ندرك أن الموت آت لا محالة ولن نأخذ معنا شيئا للقبر، لكن أن يؤخذ منك جهدك ظلما وعدوانا وحقدا وتدميرا!!
أعرف من فرشوا بيوتهم بالذهب-مع جهلهم بحرمة ذلك-، ثم توفاهم الله ولم يتمتعوا بما فرشوه إلا لحظات قليلة، لأنهم كانوا يخافون على الفرش أن يتلف أو يُسرق. لكن ماذا عمن بنوا البيت بأيديهم وغيروا تفاصيله مرة تلو مرة، وغرسوا نباتاته واعتنوا بها لسنوات؟

إننا بشر، ومن العسير حقا ألا نتعلق بالدار التي نسكنها، مهما كانت متواضعة في نظر الآخرين، ومن النادر أن تجد من يسكن بيتاً يكرهه دون علّة أو سبب. إن المرء يحبّ داره ويحبّ شعور السكينة الذي تمنحه الدار إياه.

نقول في العامية عند وقوع الضرر: في المال ولا في الأبدان. العوض عند الله.

صحيح، لكن هذا في حال الحوادث الطبيعية. إن المرء ليحزن وقد يصيبه من المرض النفسي ما يصيبه لو غرقت داره في فيضان ماء طبيعي. فكيف لو ذهب المال والبدن والروح كلها معا؟!

إن كان لنا أن نتعلم شيئا من هذه الأيام الثقيلة، فهي التخفف من متاع الدنيا طالما نحن بخير وعافية. كلما قلّ حملك في سفرك، كلما صارت حركة راحلتك أسرع، وطريقك أسهل.

اللهم أبدلهم خيراً مما فقدوا، وأفرغ عليهم صبراً وثبّت المؤمنين.

نُشِرت في يحدث الآن | أضف تعليق

خواطر الشتاء والحرب


أين غبتُ طوال الشتاء؟ يمكنني أن أجيب بأنّي كنتُ أمارس البيات الشتويّ كمعظم الكائنات الحيّة، بل وحتى كأجزاء من أجسامنا (كالشعر)، التي يتباطأ نموّها شتاء بشكل كبير مقارنة بالصيف.
الحقيقة، إنّنا من بداية شهر نوفمبر الماضي ونحن في دوّامة الأمراض. فيروسات تتنقل داخل البيت، فننعزل عن الآخرين، ثم نعود للقاء بهم فنكتشف أنهم بدؤوا دور المرض، ونأخذ العدوى منهم من جديد.
أصيب مالك بفيروس (القيء الشتوي) مرّتين في هذه الأشهر الثلاثة، بالإضافة لفيروسات أخرى تتضمّن الزكام والكتمة الصدريّة. ومشكلة هذا الفيروس أنّه ينتقل في الجوّ بمجرّد خروج القيء من الشخص المصاب به. ولا داعي لقول إنّ إصابة طفل في الثانية والنصف من العمر بهذا الفيروس، تجعل من شبه المستحيل معرفة الوقت الذي سيقيء فيه. عدا عن محاولات إقناعه الفاشلة أن يقيء في طاسة، لا على نفسه وعلينا وعلى الأرض والسجاد والأريكة والأسرّة والفراش واللحف والوسادات، وفي طوابق البيت المختلفة.
هكذا قضيتُ بضعة أسابيع بين غسيل وتعقيم وتهوية مستمّرة بالإضافة لمحاولاتي ألا أصاب بالفيروس، وطبعا أصبنا جميعا، وتعافينا والحمد لله حمدا كثيرا على نعمة العافية، ونعمة القوّة التي يمدّنا بها الله سبحانه لنقوم بعد وقت قليل من مرض يستهلك قوانا، فنجد أنّنا بخير، ونتابع الحياة.
ثم كانت إجازة الشتاء التي أبغضها أكثر من أيّة إجازة أخرى، ولا أرى فيها من إيجابية سوى بقاء الأطفال في البيت، لأنّي أتعامل مع المدارس كتعامل الجيش الوطنيّ مع ثكنة العدوّ.
ثمّ نأتي لفقرة (العيال كبرت)، التي تشمل: احكي، واشرحي و أوضحي. ساعة، ساعتان متواصلتان ربّما. تدريس؟ نعم، لكن لا علاقة له بالمدارس. تدريس الحياة إن صحّ التعبير، الذكاء العاطفي والاجتماعيّ.
بعد هذا كلّه تأتي فقرة الإصابات الرياضيّة، التي تتكرّر معي ومع زوجي كلّ شتاء تقريبا من فترة لا بأس بها، وتجعلنا نضحك ونحن نقول: ختيرنا فعلا.

وبعد كلّ هذا، أجدني أفتح عينيّ على صوت المنبّه الذي ضبطته على الخامسة صباحاً، وأنا أفكّر وأشاور عقلي: هل أنهض؟ لا أنهض؟. لم تكن الفكرة أن (أشبع من النوم)، لأنّي أعرف أنّه لا يوجد في الحياة شيء كهذا. جدّتي رحمها الله كانت تقول: النوم يجرّ النوم، والسهر يجرّ السهر. وهكذا تعاملت مع أبنائي، لذلك حين يكونون صغارا وينامون قيلولة طويلة، لا أوقظهم إلا نادراً، لأنّي أعرف أنهم سيعودون للنوم ليلا ولو تأخّروا قليلا. وهكذا أتعامل مع نفسي، لذلك لا آخذ برأي الأطبّاء والمختصّين حول أي شيء له علاقة بروتين النوم، فروتيني هو اللاروتين.
الفكرة كانت: هل أنا حقا مرهقة لدرجة أني أريد فقط أن أبقى في السرير، أم إني أفكر في الغسيل البائت في الغسالة من ليلة أمس، وفي الحاسوب الذي لم أفتحه من أسبوعين، وفي كل شيء متراكم؟ هل أنا عاجزة حقا ومتعبة، أم أنا محبطة لأني أذكر أني في مثل هذا الوقت من العام الماضي كنت أصحو يوميا لمدة شهر كامل، في تمام الخامسة، وأجلس لأعمل على كتابي الإلكتروني، الذي لم أصل بعدُ لأفضل طريقة لنشره؟!
هل أنا لا أريد النهوض لأن جسمي يحتاج الراحة بعد، أم أني متكاسلة عن ارتداء مشدّ القدم ومشدّ الركبة، وعمل التمارين اللازمة لاستعادة المرونة؟

هكذا، بعد سبع دقائق بالضبط، نهضتُ، وتناولتُ الهاتف والكندل (القارئ الإلكتروني) من جانب السرير، ومشد القدم وجوربي البيتيّ، ونزلتُ لأجلس على الكنبة، وأنظر في حوض السمك المعتم.. معتم؟ أكتشف أنّ الضوء الذي كان يحترق على مهل من سنتين، لم يعد يعمل. أبتسم لأنها المرة الأولى التي أقترب فيها من الحوض ولا تسبح الأسماك باتجاهي انتظارا لطعامها. لا أعرف إن كانت العتمة تجعلها غير قادرة على التمييز، لكنّ براءة هذه المخلوقات ذكّرتني ببراءة الكائنات النائمة في البيت.

إنّ أكبر مخاوف الأهل -برأيي- هي معرفة حقيقة أنّ أبناءهم كبروا، ولم يعد باستطاعة الأهل حمايتهم من بشاعة هذا العالم. أتكلّم عن أهل طبيعيّين، لا عن أهل هم جزء من تلك البشاعة!
ونحتاج أن نستدعي شعورنا ببراءتهم وطفولتهم، بين حين وآخر. لأنهم حقا ما زالوا أطفالا في بعض جوانبهم، وهذا أمر لطيف محمود، لكن العالم لا يقبله. قلت هذا لصفية وأنا أشرح لها لماذا نقول عن بعض سلوكياتها إنها كسلوكيات الأطفال. قلت أيضا: أن تتصرفي أحيانا كالأطفال وأنتِ في هذا العمر، هو أمر صحّيّ وطبيعيّ، أتعلمين لمَ؟ لأنّ هذا يعني أنّكِ تكبرين في بيئة تحميك، ولم تتحمّلي مسؤوليات أكبر من عمرك النفسيّ. انظري للأطفال في الحرب، كيف يصير الأولاد في عمرك مسؤولين عن أنفسهم وإخوتهم وأحيانا أهلهم. هم ما زالوا أطفالا بحاجة أن يبكوا ويخبرهم أحدٌ أكبرُ أنه سيرعاهم وسيكونون بخير، لكنهم لا يستطيعون حتى البكاء، ولا الراحة، فلو فعلوا لماتوا جوعا أو بردا.. أو مات إخوتهم.

لا أعرف إلى أين كنت أريد أن أصل من هذا الكلام، فقد كتبتُ نصفه قبل يومين، وكنتُ لأحذفه كالعادة. لكنّي آثرتُ نشره المؤقّت، ربّما لأشجّع نفسي على العودة للكتابة. وربّما لأفرغ الخواطر السوداء التي تجول رأسي معظم الوقت، من انعدام الجدوى من كلّ شيء.

زوجي يلحّ عليّ أن أبحث عن حاسوب جديد، لأني بحاجة واحد. كثير من أعمالي متوقّف بسبب جهازي القديم، لكنّي لا أجد الوقت للبحث. أشعر أن الوقت يمضي بسرعة غير معقولة لا أفهمها.

أحصي في رأسي الآن كومة من الأعمال المؤجلة، المشاريع غير المكتملة، وأفكّر: لماذا يخاف الناس سنّ التقاعد؟ على الأقل هم عاشوا حتى هذا العمر ليكملوا كلّ ما بدؤوه يوما ولم يكتمل!

لا أعرف لماذا ولأيّ غرض كتبتُ هذا.. كتبتُه فحسب.

نُشِرت في أحاديث نفس | الوسوم: , , | أضف تعليق