فمن يأتيكم بماء معين

فمن يأتيكم بماء معين.

ثلاث آيات تلخص (رحلة الهداية) وتصورها بشكل رمزي يبدو بسيطا وسهلا، لكنه الإعجاز عينه.

أرأيت لو أنك أردت الوضوء في بيتك، فذهبت وفتحت الصنبور فلم تنزل قطرة، احترت ورحت تبحث عن الأسباب: كل شيء في البيت سليم، لكن عداد الماء يخبرك ألا ماء يدخل بيتك. وبعد ساعات من البحث عن (مصدر الخلل)، تكتشف أن المصيبة عامة على جميع من حولك، وأنّ البلدية نفسها لا تعرف أين ذهب كلّ الماء، وكأنّه غار فجأة في أعماق الأرض!

فكر في حجم هذه الكارثة: مدينتك بأكملها تعيش على تمديد مائي، يسحب الماء عبر أنانيب طويلة من خزان واحد، وهذا الخزان يسحب الماء من مصادر أخرى، وكلها خلت من الماء في غمضة عين، من المصدر إلى الصنبور. ولا يوجد أي ماء سطحيّ يمكنك أن تحصل عليه، ولا قطرة.
تخيّل (المقتلة) التي ستحدث، الفوضى العامة، الجنون، سفك الدماء لأجل قطرة ماء عذبة واحدة تُشرَب، و.. التأثير النفسي الذي سيصل مرحلة الكفر.

هل تخيلت؟

الآن، استبدل (الماء المَعين) الظاهر القريب الذي تناله كل يوم بلا أدنى تفكير في قيمته وبلا أي تعب في تحصيله، بهداية الله لك.

إنك في كل يوم تصحو مسلما مَهديّاً من ربّ العالمين لا حول لك ولا قوة في تحصيل تلك الهداية، ولا تتخيل حالك لحظة دونَها! كأنّها حقّ مضمون مكتسب لا يمكن أن يُسلب منك.
لكنه ممكن.. آيات سورة الملك تقول إن هذا ممكن جدا في غمضة عين. بل وتبدأ من النتيجة التي خوطب بها الكفار في نهاية السورة: قل أرأيتم إن أخذ الله منكم هذا الماء الظاهر سهل المنال، وجعله غائراً تبتلعه الأرض ولا يمكنكم الوصول إليه.. فما أنتم فاعلون؟
قل أرأيتم إن أخذ الله منكم هذا الهدى الذي تكفرون به، وتفرّطون فيه، وتتكبّرون عليه، ثمّ جئتم يوم القيامة ورأيتم جهنّم وهي تتميّز وتتفرّق وتتقطّع من الغيظ عليكم، ما أنتم فاعلون؟
قل أرأيتم إن عسّر الله عليكم هذا الرزق الذي تنالونه سهلا، وجعل أرضكم وعرة صعبة عسرة، أو متحرّكة كالموج تضطرب بكم ولا تستقرّ ولا تهدأ على حال، فلا يقوم لكم بناء ولا تسير بكم راحلة، أو جعل السماء تمطركم بالحصى والرمل بدلا من الماء، ما أنتم فاعلون؟
قل أرأيتم لو أنّ الله جعل أسراب الطيور التي تبسط أجنحتها وتقبضها في حركة موزونة منتظمة، تهوي على رؤوسكم وتتخبّط فوقكم في كلّ مرة تحاول الطيران فيها، ما أنتم فاعلون؟
قل أرأيتم كلّ جندٍ قويّ عتيد تظنّونه لا يُغلب، لو أراد الله أن تُغلبوا وتهلكوا.. ما أنتم فاعلون؟
لا يقدرون على شيء، وكذا أنت، نحن.. لا نقدر على شيء لولا أن هدانا الله. فماذا أنت فاعل كي لا يحرمك الله هذه النعمة؟

تخيّل مصيبتك: أن تُحرم الهدى، ولا تدرك ما أنتَ محروم منه. هل ترى الطغاة والمجادلين والمعاندين من حولك، هل تجدهم قلقين باحثين عن الخير أو الحقّ؟ أبداً، لأنّهم حين أعرَضوا عن نعمة الله وقد عرفوا بها.. حتماً عرفوا بها، جاءهم العقاب العاجل في الدنيا، أن يُحرموا حتى البحث عن الهداية!
ما أوجع هذه المصيبة.. أن يراكَ من حولك فيدعون لك: الله يهديك.. فتصرخ بهم: وأنا اش فيني؟!
مصيبتك ألا تدرك حجم مصيبتك، مرضكَ ألا تعرف أنَكَ مريض، بينما أنتَ تُنهش وتُؤكل، ومن حولك يتقطّعون أسفاً عليك، يمدّون لكَ أيديهم بالنجاة أن تعال، وأنتَ تشيح بوجهكِ في كِبر وتردّد: أنا أعرف ما أفعل!

في كلّ يوم وأنتَ تستخدم الماء عشرات المرّات، تذكّر: بين يديك نبعٌ من هداية الله لك، بين يديك قرآن متى تناولتَه شربتَ منه دون مقابل، ودون أن ينضب، ولا شيء يمنعك عنه ويحول بينك وبينه إلا نفسك.. والموت. فماذا لو جاءك وأنتَ عطشٌ ظامئ لكنّك معرضٌ عن الشرب، لكِبرِك وعنادك وسفهِك.. فما أنتَ فاعل؟!

الجمعة ٢٠ رجب ١٤٤٧

هذه المقالة كُتبت ضمن التصنيف أحاديث نفس. الوسوم: , , . أضف الرابط الدائم إلى المفضّلة.