هل جربت أن تختنق بالفكرة؟
يعيش الكاتب ويموت في كل مرة تولد أو تموت شخصية من شخوصه، أو فكرة من أفكاره.
يمسك حلقه حين تلتفّ حبال مشنقة الحزن على روحه، ويأخذ شهيقا عميقا.. شهيقَ غريقٍ لا يرى غرقه أحدٌ فيسعفَه، ويصيح مستنجدا بكلّ كيانه المحترق، فلا يسمع صياحه الصامت المحتبس داخله أحد٬ٌ لينقذه.
نيران وهميّة تلسه أطرافه طيلة النهار، تترك حروقها آثاراً لا تمحى ولا يراها سواه.. فتزيد عذاب نفسه.
يعاني وحده، يتألم وحده، يبكي كثيرا وحده.
ألف عالم يُبنى داخله ويقوّض كلّ يوم.
تنهار دنيا ويموت أحبةُ وهميّون تعلق بهم، وصاروا جزءاً من كلّه، ولا يعرف بذلك من البشر سواه.
يمشي مطئطئا شاردا، كأنه في جنازة أبدية لا تنتهي.
يجرّ أقدامه كأنها عالقة في الوحل الذي لا يزول مطلقا.
وينظر للعالم حوله في يأس، ثم حزن، ثم غضب!
كيف يعيشون هكذا في سلام؟ مع كل هذا الموت الذي يعيشه هو كلّ يوم بتفاصيله؟
لكنه يمضي ويستمرّ محاولا إيجاد نهايةٍ لطريق الغابة المخيفة.
أشباحُها: أوهامه، وحوشها: أفكاره، وطريقُها الشائك المعتم الممتدّ: مخاوفه وقلقه.
كلّ أرواح البشر يمكن أن تهدأ أو تجد لحظة سلام، إلا الكاتب الذي يكتب عن آلام هؤلاء البشر، إن روحه تبقى في وجع دائم كأنها جرح يوشك أن يلتئم، فيحكّه أحدهم ويفتحه مجدّداً.
لا يتعافى الكاتب بالكتابة، بل يتعافى قرّاؤه، أما هو.. فعلاجه الوحيد أن يستسلم لمشنقة أفكاره.. ويختفي.
١ رمضان ١٤٤٧