ما أقبح هذه الحياة المعاصرة التي جعلت المرأة تبكي في الشارع ولا يلتفت أحد إليها، حتى النساء مثلها.
ما أقبح هذه الحياة التي تدّعي المساواة في الحقوق، ولكنها قتلتْ المرأة بواجبات ليست بواجباتها ولا تقدر عليها، في الوقت الذي أخذت منها كلّ واجباتها التي تجيدها؛ وعلى رأسها الأمومة.
المرأة المسحوقة في ألمانيا، نصفٌ باختيارها ورغبتها، ونصفٌ رغما عنها. وفي كلّ الحالات، هي عاجزة عن تغيير هذا الواقع لأنها لا تثق في الرجل، وهو الذي يشرّع التشريعات ويسنّ القوانين ويُنفِذها على أرض الواقع.
هذا الرجل الذي يقتل في كلّ يوم واحدة، وهو الشريك أو القريب أو.. الزوج. هذا ما تقوله إحصاءات الحكومة الرسمية، وما خفي وما لم تعلمه الشرطة، وما لم يتم التبليغ عنه، كالتعنيف والضرب والضغط النفسي والتحرّش والاغتصاب، لا يسجّل ضمن إحصائيات العنف ضد المرأة.
فقط حوادث القتل التي وصلت رسميا للمشرحة.. امرأة في كلّ يوم في ألمانيا.. هكذا يقولون.
كتبتُ مرة قبل ثلاثة أعوام عن امرأة رأيتها تبكي في عز الظهيرة في سيارتها، أعرف هاته النساء الباكيات في الشارع، لقد كنتُ واحدة منهن حتى زمن قريب، ولكلّ واحدة أسبابها.
لا أريد أن أقارن بين النساء على مستوى المكان والأحداث، فلا مجال أبداً للمقارنة. ما يحدث لامرأة أخرى في أرضٍ أخرى، تجاوز حدّ الفجيعة والبكاء. لكنّي أقارن بين المرأة والمرأة في هذا البلد الذي بلغ قمّة الرفاهية، ويُفترض أن يكون مؤشّر السعادة فيه هو الأعلى. لكنّها بلدٌ تعادي الفرح، وتعادي البهجة، وتعادي الطفولة، وتعادي كلّ شيء جميل. وهذا يتضمّن بالطبع معاداة المرأة.
قبل شهر تقريبا، كنت عائدة من السوق وحدي، في السادسة عصراً، والشوارع شبه خالية مع الجوّ الحارّ. كنتُ أبتسم كما عوّدتُ نفسي منذ ثلاثة أعوام، أن أجبر نفسي على الابتسام كلما تنبّهتُ لجمود أو تجهّم وجهي.
ابتسمتُ، ومضيتُ أتمهّل أكثر في المشوار القصير الذي لا يعدو خمس دقائق وأصل بيتي، حين جاءت في مقابلي امرأة تهرول تقريباً، وبدا لي من عباءتها وحجابها إنها أخت أفغانية، كانت تمشي سريعا وتمسح دموعها! وقد هزّ قلبي مظهرها:
كانت تبدو كمن قُهِرتْ لتوّها. لا أستطيع أن أجزم، لكنّي بعد هذا العمر ومخالطة النساء على اختلافهنّ واختلاف مشاكلهنّ، أعرف كيف تبدو المرأة المقهورة، المرأة العاقلة القويّة، حين تُكسَر، ولا تستطيع شيئاً حيال ما أو من كسرها، لأنّه غالباً الرجل في البيت. إنّها حتى لا تبكي أمامه، بل تجد أنّ الشارع وكلّ من وما فيه يتّسعان لدمعها أكثر من قلبه!
ما أوجع هذا الخاطر.. وما أوجع دمع تلك المرأة حين رأتني أنظر لها وأبتسم ابتسامة مساندة، لقد أسرعتْ مشيها أكثر رغم أنّي تمهّلتُ. وللمرّة الثانية في حياتي، لا أعرف ما أفعل: لربّما كان عليّ أن أقول لها ببساطة: هل كلّ شيء بخير؟ أو ألقي السلام عليها، أو أقول إن لا شيء يستحقّ. أيّ شيء، أيّ شيء.. فقط كي لا تشعر بالوحدة، لكنها اختفت.
وهذه قارورة أخرى انكسرتْ ولم يلملمها أحد!
أمس، كنّا قد خرجنا أنا وزوجي ومالك وسمية كلّ واحدٍ بدرّاجته، وفي طريق العودة توقّفنا لشراء المثلّجات من مركز التسوّق، أخبرتهم بما أريد وبقيتُ في الخارج مع الدرّاجات كي لا تُسرق لأنّنا لم نكن نحمل أقفالا.
وأثناء وقوفي رأيتُها بزاوية عيني تجلس على ذلك الحاجز الحجريّ الذي يبعد أربعة أمتار فقط: من أصل أفريقيّ، طويلة القامة، عيناها خضراوان وشعرها القصير جميل بشكل ملفت، وكانت جميلة بحقّ، لكنّ صوتها الأجشّ كان مخيفاً كصوت رجل.
كانتْ تحتسي علبة بيرة، وحين انتهتْ منها أشعلت سيجارة، وكانت تشرب على مهل شديد، وتدخّن على مهل أكثر.. وكانت تنظر إليّ.
رفعتُ عينيّ إليها أكثر من مرّة حين سمعتُها تتكلم، ولم أفهم ما قالت ولم أعرف إن كانت تحدّثني أم تحدث نفسها. لكنّ الحزن في عينيها كان موجعاً لأبعد حدّ، الدمعة العالقة التي لا تنحدر ولا تجفّ، أكثر من ربع ساعة وتلك الغيمة الرقيقة تعلو العينين. لم تبتسم ولا أنا، فقط تبادلنا النظرات.. وكلّما حُدتُ بنظري عنها، وعُدتُ.. وجدتُها ما زالتْ على نظرتها تلك، نظرة امرأة انكسر داخلُها كسراً لا يمكن إصلاحه!
لم تكن مشرّدة ولا ملابسها متّسخة، حتى إن معها حقيبة أنيقة، لكنّها تبدو كدمية تمّ التطويح بها مرّة تلو المرّة حتى لم تعد بها عظمة سليمة يمكن الاتّكاء عليها. كانت تبدو كامرأةٍ عُوملتْ معاملة الدمى التي لا تملك شعوراً ولا روحاً.
وقد راعني هذا الخاطر: أنّها امرأة بلا روح!
حين خرجتْ عائلتي بالمثلّجات، كانت المرأة ما زالت ترمقنا وقد تحولت النظرة الفارغة لاهتمام، ليس بما يحملونه.. بل بمحادثتنا التي كانت بالعربية. ولم يجدوا قِطَعا مفردة من النوع الذي طلبتُه فأحضروا علبة فيها ثلاث قطع بدلا من واحدة فقط، أخذتُ قطعة مباشرة وقلتُ لسمية التي فتحت مثلجاتها وشرعت تأكل: شوفي هي المرأة القاعدة ورانا؟
لفت رأسها سريعا وقالت: اي؟
- خذي هالآيس واسأليها اذا بدها..
سريعا وبلا تردد أخذتها مني وذهبت إليها، فما كان من المرأة إلا أن فوجئت ونظرت بدهشة لا مثيل لها، وتناولت القطعة بتردّد وكأنّها تخشى أن هذا غير حقيقي، ثم خرج صوتها متحشرجاً: شكراً.. شكراً جزيلا..
ابتسمت لها سمية وهي تقول: العفو..
ورحنا ننهي ما بيدنا كي نستطيع القيادة والعودة للبيت، وكنتُ أختلس النظرات للمرأة اختلاسا، من ناحية إني لا أريد إحراجها فتشعر أنها مدينة لنا بشيء، فمفهوم (الضيافة) و (لا تأكل وثمة من ينظر إليك دون أن تعطيه) ليست من ضمن مفردات ثقافة هذا المجتمع. ومن ناحية لا أريد تجاهلها بالمطلق فتشعر أنّي تصدّقتُ عليها وهي لا تبدو بحاجة صدقة.
ورأيت كيف جفّت تلك الدمعة العالقة، وصارتْ ابتسامة شاحبة على وجهها، فابتسمتُ لها وأومأتُ إيماءة خفيفة، بمعنى: أفهمك.. فأومأت لي وهي ترفع المثلجات بيدها. ورفعت صوتها مكررة: شكرا..
فقلت: بكلّ سرور.
وحين بدأنا في المغادرة أخيرا، راحت تقول لمالك الذي يرتدي خوذته ويسحب درّاجته: إنك تفعل ذلك بشكل ممتاز، أنت صبي قويّ.. فقلتُ لها : شكرا لك ، هذا لطف منك. وأشرتُ لمالك أن سمعتَ ما قالت لك؟ أومأ لها بابتسامته العجيبة..
لوّحت لنا للمرّة الأخيرة قبل أن نمضي، وأنا أردّد في عقلي: يا خفيّ الألطاف.. نجِّنا ممّا نخاف.
إنّ المرأة في هذا البلد لا يكفي أن يُقال بحقّها رفقاً بالقوارير، فهي قد تهشّمت وتشظّت وما بقيت فيها قطعة على قطعة، كلّ قطعها مكسورة أو مشروخة، تلصقها ببعضها كلّ صباح لتمضي في هذه الحياة كيفما اتفق، وتتنهّد في نهاية اليوم تنهيدة الخلاص، أنْ ها قد انقضى يومٌ.
وتنام وكلّها أمل.. ألا تصحو، علّها ترتاح.
اللهم نصراً لنساء غزّة، اللهم انتقاماً لنساء السودان، اللهم جبراً لنساء سورية، اللهم عفواً ومغفرةً لنساء هذه الأمّة.
٢٧ محرم ١٤٤٨
12.7.2026